صحيفة النهار – سابين عويس
انتهت الجولة الأولى من المفاوضات الرسمية بين لبنان وصندوق النقد الدولي ببرنامج إصلاح اقتصادي شامل، وغادرت البعثة على تفاهم على أن يكون انعقاد الجولة الثانية رهناً بمدى تقدم العمل بالإجراءات التي تم التوافق عليها مع السلطات اللبنانية، وإلا فلن يكون هناك جولة قبل نهاية الصيف، علماً أن الصندوق يأمل أن يترجم لبنان نياته الحسنة بتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والمالية المطلوبة منه قبل تشرين الأول المقبل/أكتوبر، لكي يصار إلى توقيع البرنامج، على نحو يتيح مباشرة تنفيذه قبل نهاية السنة.
للصندوق أكثر من سبب يدفعه إلى الضغط على الجانب اللبناني للتعجيل في خطواته، منها ما له بعد تقني وآخر ذو بعد سياسي.
في الجانب التقني، يحتاج الصندوق إلى الوقت لعرض البرنامج بعد توقيعه مع لبنان على مجلس المديرين فيه للمصادقة عليه.
ورغم أن مسارا كهذا ربما لا يحتاج إلى وقت طويل إذا استمر الزخم الدولي حيال مساعدة لبنان، فقد يطول إذا استمر التباطؤ المحلي في تنفيذ الالتزامات، بما يبعث إشارة سلبية عن مدى جدية لبنان وصدقيته في السير ببرنامج الإصلاحات.
البعد السياسي يحمل طابعاً مزدوجاً. ففي جانب منه، يخشى الصندوق أن تؤثر التدخلات والتجاذبات السياسية في البلاد على حسن سير الإجراءات الإصلاحية المطلوب إقرارها في تشريعات، فضلاً عن الخشية أن يؤدي دخول البلاد في مرحلة الانتخابات النيابية إلى تأخير الإجراءات غير الشعبية المتوقعة، مثل اعتماد زيادات ضريبية، انطلاقاً من مطلب يشدد عليه الصندوق، ويتعلق بالتزام فائض في الموازنة وعدم تحقيق أي عجز، ما يعني عملياً أن على لبنان أن يضمن إيرادات كافية لتغطية إنفاقه. هذا الأمر متعذر في ظل ارتفاع الحاجة إلى مزيد من الإنفاق، ولا سيما إذا تعذر تأمين مصادر تمويل ميسر لمشروع إعادة الإعمار، عبر مؤتمرات دعم مأمول بها. ولا يخفي الصندوق قلقه من هذا العامل، وخصوصا أن بوادر الاختلافات الداخلية ظاهرة بوضوح في تعيينات أعضاء حاكمية المصرف المركزي، ولهم دور حيوي في المرحلة المقبلة، ما يتطلب فريقاً منسجماً ومتعاوناً إلى جانب الحاكم المصمم على إنجاز ورشة إصلاح ميزانية المصرف المركزي تمهيداً لتحديد ما له وما عليه، ونسبته من مجموع الخسائر أو ما يعرف بالفجوة المالية.
في البعد السياسي الآخر، يفرض العامل الخارجي ضغطاً إضافياً على الصندوق، حيث تمثل الولايات المتحدة الأميركية الممول الأبرز له، وبالتالي، لها الكلمة الفصل في إقرار البرنامج وتحديد حجم الدعم، في ظل معلومات من مصادر الصندوق عن أن التمويل ربما لا يصل إلى ٣ مليارات دولار، وفق ما كان سابقاً في الاتفاق الأولي مع حكومة نجيب ميقاتي، والذي تعطل تنفيذه مع تحول الحكومة إلى تصريف الأعمال ودخول البلاد في التحضير للانتخابات، تماماً كما هي الحال اليوم.
وهنا يرتدي كلام نائبة المبعوث الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس قبل استقالتها من منصبها، أهمية، إذ كشفت في منتدى قطر الاقتصادي قبل أسابيع أن الصندوق ليس الخيار الوحيد أمام لبنان، وأن لديها “خطة كبيرة ورؤية” قائمة على الاستثمار. لا يعلق مسؤولو الصندوق لدى سؤالهم عن كلام أورتاغوس، معتبرين أن وجودهم في لبنان يأتي بناء على طلبه، وبالتالي، على لبنان أن يحدد خياراته، وقد فعل ذلك عندما طلب توقيع برنامج مع الصندوق. وبالرغم من تنحي أورتاغوس عن الملف اللبناني، يعكس كلامها موقف إدارتها الهادف إلى التعامل المباشر مع لبنان.
في اي حال، أمام لبنان اختبار إنجاز ثلاثة ملفات أساسية يطلبها الصندوق: مشروع قانون الإصلاح المصرفي الموجود في لجنة المال والموازنة الآن، وضع مشروع لمعالجة الفجوة المالية، وهنا يرفض الصندوق الاعتراف بأي دور في إعداده، وإعداد مشروع قانون موازنة ٢٠٢٦.
وإذ يأمل الصندوق إقرار مشروع الإصلاح المصرفي، يستبعد أن يتمكن لبنان من إقرار قانون الفجوة، في سنة انتخابية تكثر فيها الحسابات، ويضيق معها الوقت الكافي لانصراف النواب إلى إنجاز هذا الملف الحيوي.
وعليه، تبدو المهلة حتى تشرين الأول/أكتوبر المقبل ضاغطة وقصيرة أمام هذه الحسابات، فيما يبدو الوقت الممدد حتى نهاية السنة المهلة الأخيرة الفاصلة عن ركب لبنان قطار الخروج من الأزمة، حيث يصبح البديل انتظار قطار تسوية مقبل ربما لا يأتي أبداً!