.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
حين تُذكَر حرب زحلة في 2 نيسان 1981، يمرّ إسم ذاك الطفل الذي لم يكن يعرف من الحياة غير صوت اللعب. روجيه جورج معلوف، لم يتجاوز عمره السنوات السبع، حين دوّى صوت المعركة في زحلة. لم يكن يحمل سلاحًا، بل حلمًا صغيرًا وابتسامةً بريئةً، قبل أن يسقط، لا شهيدًا ولا سالمًا، بل جريحًا بحجم الوطن، فتختبئ صورته راكضًا خلف الحلم في زواريب الذاكرة، قبل أن تسرق تلك الحرب خطواته، ويبقى حاملًا جراحها على جسده.
طفلٌ كتب له القدر أن يكبر بلا قدمين، لكن بإرادة تسير أبعد من كل الطرق. اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال الندبة شاهدة على الحرب، وهو شاهد حيّ على وجع مدينة، وعلى ذاكرة شعب، وعلى ثمن دفعه أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم عاشوا في وطن شلّعته الحروب.
كبر روجيه، وكبرت معه ذاكرة جريحة لا تُشفى، وجراح لم تُغلقها السنوات. لم تكن الحرب صفحة وطُويت، بل كانت بداية لصفحة عمر جديد معجون بالأوجاع والنضالات أمضاه بين باريس وبيروت، وبين غرف العمليات ومقاعد الدراسة، فنسج حكاية انتصار على المستحيل، وواجه الحياة بقلب لا يعرف الانكسار.
في كل خطوة يخطوها اليوم، تمشي معه مدينة بأكملها، تحمل اسمه في دموعها، وتُخبئه في صمتها. روجيه ليس مجرد مقاوم نجا من الموت، إنما حكاية شعب لم يُهزم، وحقيقة التي لا تمحوها آثام الحروب. لم يكبر كغيره من الأطفال، لم يتمرمرغ بالتراب ولم يرفس الطابة كما باقي أولاد الحي، بل كبر على ذاكرة جريحة، وإصرار على أن الحياة أقوى، والجرح ليس نهاية بل بداية حكاية صمود ومواجهة مصير بإرادة استثنائية. لم يستسلم روجيه للجراح، بل جعل منها منطلقًا لحياة مليئة بالقوة، مفعمة بالإيمان، مترفعة عن الشكاوى، وكتابًا تختصر صفحاته رسالة وطنية صادقة.
“العبسي”… بين الملجأ والمقبرة
في الأول من أيلول عام 1973 وُلد روجيه معلوف في حي حوش الأمراء في زحلة في حضن عائلة لبنانية تقليدية. وكان الابن الوحيد بين شقيقتين. من نافذته الصغيرة في بناية الطبّاع كان يقف روجيه ويتأمل في بناية العبسي المقابلة، التي أصبحت لاحقًا شاهدة على أقسى لحظات عمره.
تلقّى علومه في مدرسة راهبات العائلة المقدسة، فيما كان والده يعمل ميكانيكيًا في المدينة الصناعية ويُعرف بميوله الكتائبية، ما جعله يغيب عن العائلة طويلًا للالتحاق بجبهات القتال.
“كنا نسمع صوت المدفعية ونشعر أنها اخترقت المنزل، ولم تكن هناك ملاجئ، ولا زوايا آمنة لنختبئ فيها. وعندما يبدأ القصف كنا نهرب كما كل العائلات إلى بناية العبسي، نظرًا إلى ضخامتها وفكرنا أنها ستكون الملاذ الآمن، لكنها في لحظة سوداوية تحوّلت إلى مقبرة”. ويتابع روجيه: “2 نيسان 1981، اشتدّ القصف من مدفعية الاحتلال السوري على زحلة، واستهدفت القذائف بشكل مباشر بناية العبسي التي كانت تختبئ فيها عشرات العائلات فانهار الطابق السفلي بمن فيه، فجأة وجدت نفسي بين الركام وسط الظلمة ومحاصرًا تحت الأنقاض. ولم أعلم أن الضحايا الذين كانوا إلى جانبي مضرجين بالدماء هم أهلي، أمي وأخواتي وكنت عاجزًا عن الحراك”.
يومان أمضاهما روجيه في غيبوبة، بحسب ما يذكر روجيه. في تلك الأثناء، كان أحد عمّال المنشرة المجاورة يأتي كل ليلة ليطمئن إليه ويؤمن له الطعام والماء، في وقت كان فريق من المتطوّعين يعمل ليلًا نهارًا لسحبه من تحت الأنقاض.
وبعد ثلاثة أيام، تمكنوا من حفر فتحة في سقف الطابق السفلي وسحب جسده الصغير المحطّم، فحملوه على أكتافهم إلى المستوصف الميداني في مدرسة راهبات العائلة المقدسة، حيث خضع لعملية جراحية، ونُقل على أثرها ليلًا إلى مركز الصليب الأحمر. “لم يكن هناك سرير واحد بسبب عدد المصابين، كنا ننام على الأرض، وكان الطبيب يضطر الى إجراء العمليات للمصابين وهم ممدون على رقعة قماش أو غطاء، وفي أحيان كثير من دون بنج. وكانوا يضعون ستارة فقط لحجب الرؤية عن الآخرين”.
بعد أسبوع، علم والده أن وحيده أصيب في القصف على بناية العبسي فوافاه إلى مركز الصليب الأحمر ومكث معه. وبعد مفاوضات عسيرة مع قوات الاحتلال السوري تم الاتفاق على نقل الحالات الحرجة من زحلة بموكب طبي إلى بيروت. وكان روجيه من بين الذين نُقلوا بسبب خطورة حالته. وعند الوصول إلى بلدة تعلبايا لاقته خالته دنيا، ورافقته في مشواره مع الألم.
في مستشفى أوتيل ديو، كانت الصدمة الأولى، حيث اضطُر الأطباء إلى بتر ساقه التي انتشر فيها الالتهاب. وفي تلك الأثناء، كانت فرنسا قد قدمت هبة لمعالجة عدد من الجرحى اللبنانيين في مستشفى بيجيه العسكري في باريس، ومن بينهم روجيه الذي رافقته خالته على متن طائرة عسكرية الى هناك، حيث خضع لبتر الساق الثانية، نتيجة مضاعفات أخرى. ثمانية أشهر من العمليات، والعلاج الفيزيائي، والتأهيل النفسي، إنتهى به المطاف واقفًا على أرجل اصطناعية.
العودة إلى الدراسة… والحياة
عام 1982 عاد روجيه إلى لبنان ليكمل دراسته في مدرسة العائلة المقدسة، وعاش مع والده الذي تزوج وأنشأ عائلة جديدة. واستمرت رحلاته السنوية إلى فرنسا للاستشفاء، وتجديد الأطراف، ومعالجة الزوائد العظمية التي كانت تخترق اللحم.
يتابع روجيه سرد ذكرياته ويقول: “خضعت لحوالى 10 عمليات في فرنسا، آخرها كانت مقرّرة لي في شمال فرنسا برعاية جمعية خيرية بلجيكية. هناك، التحقت بمدرسة فرنسية تطوّعت لاستقبالي وتعليمي، قبل أن أعود إلى زحلة، وأسافر مجددًا إلى بلجيكا، ومنها إلى مدينة دوييه في شمال فرنسا، حيث أكملت تعليمي الثانوي، بعدها التحقت بالجامعة هناك وتخصّصت في الهندسة الميكانيكية والإلكترو-ميكانيكية، وحصلت على فرصة دراسة في السويد ضمن برنامج تبادل طلابي. بقيت هناك ثمانية أشهر، وعدت بعدها لإنهاء دراستي الجامعية، ثم انتقلت الى السويد لدراسة الدكتوراه، حيث بقيت هناك عامًا ونصف العام، قبل أن أعود إلى فرنسا وأبدأ حياتي المهنية في شركة عالمية”.
لم يسمح روجيه الذي اختبر وجعًا لا يُحتمل، أن يقيّده جسده المغمّس بالوجع والإعاقة، بل جعل منه جسرًا نحو الحرية ومحطة انطلاق نحو بداية حياة جديدة عاشها بالشغف والإرادة، وأطلق فيها العنان لروحه قبل جسده، وهو اليوم متزوج وأب لثلاثة أولاد أكبرهم يبلغ من العمر 20 عامًا، وهو يتابع علومه في إحدى أكبر جامعات فرنسا. كما يمارس روجيه رياضة تقوية العضلات لتقوية عزيمته.
واجه إعاقته كما واجه الحياة بقبضة الملاكم في رياضة البوكسينغ، وتسلّق الجبال في رحلات هايكينغ وتخييم، وركوب الدراجة النارية ليقول إن الإرادة لا تُهزم.
روجيه معلوف، هو مرآة لإنسان لا ينكسر على الرغم من كل المصاعب التي حمّلته إياها تلك الإصابة في بناية العبسي.. خسر والدته، وشقيقتيه، وساقيه، وطفولته، لكنه لم يخسر إيمانه بأن للحياة معنى أعمق من الألم.
وفي زمن اندثر فيه الأمل بين الركام، كان روجيه نبتة عنيدة تنمو بصمت، وتزهر على رغم كل شيء. كان نهوضه فعل حبّ، وتمسّكه بالحياة فعل إيمان، ونجاحه صرخة بوجه الموت: “أنا ما زلت هنا… وأمشي، حتى ولو بلا قدمين”. هذه ليست فقط حكاية رجل تحدّى الموت، بل هي حكاية بلد لا يموت.