#adsense

47 عامًا على حادثة إهدن: للمصالحة مع الحقيقة

حجم الخط

إهدن

لم تكن الحادثة الأليمة التي وقعت في بلدة إهدن في قضاء زغرتا، بتاريخ 13 حزيران 1978، والتي أودت بحياة نحو 30 شخصًا من بينهم الوزير الراحل طوني فرنجية وزوجته وابنته، هي الحادثة الوحيدة التي تركت آثارًا سلبية في الذاكرة اللبنانية، ولكنها من الحوادث العديدة التي تركت تساؤلات مختلفة، حول الدوافع التي أدّت إلى وقوع هذه الحادثة، كما حقيقة ما حصل ذاك اليوم وما تلاه، خاصّةً أنّ الروايات التي دأبت المخابرات الأسدية على تسويقها على مدى عقود حول هذه الحادثة، ساهمت في تشويه الذاكرة وترسيخ الجراح عوض تضميدها بالشكل الصحيح.

في كتابه “قصة الموارنة في الحرب”، يكشف القيادي الكتائبي الراحل جوزيف أبو خليل المسار الذي أدى إلى وقوع حادثة إهدن، حيث كتب عن طلب الرئيس فرنجية عقد خلوة لـ”الجبهة اللبنانية” في زغرتا، وذلك لمناقشة الأوضاع الطارئة، وقد انعقدت في كانون الثاني 1978: “طلب الرئيس فرنجية الكلام ليطرح موضوع وجود الأحزاب في الشمال… وكان الرئيس فرنجية قد بدأ منذ مدة في الإعراب عن تذمّره من توسّع حزب الكتائب في الشمال اللبناني وخصوصًا في دائرة زغرتا – الزاوية”.

يُكمل القيادي الكتائبي جوزيف أبو خليل سرد الوقائع في كتابه: “فيما كان أركان الجبهة يحاولون لفلفة الأمور حفاظًا على وحدة الصف، كانت الاعتداءات على الكتائبيين في الشمال تتوالى، وتتطوّر أيضًا حتى بلغت درجة القتل والاغتيال”.

وبعد أن استفحلت عمليات “المردة” تنكيلًا بالقادة والعناصر الكتائبيين في الشمال، باتت قيادة “الكتائب” أمام محك التدخل لوقف هذا النزيف المتمادي، إذ يروي أبو خليل في كتابه نفسه وقائع مباشرة عايشها في تلك الحقبة: “اشتدّت ضغوط القاعدة على القيادة الحزبية. وتراءى للشيخ بشير الجميل أنّ ردة الفعل باتت ضرورية ولا بدّ منها. فراح يعدّ لها العدّة وقد حدّد لها هدفًا يُعيد للحزب هيبته التي فقدها بالصمت والسكوت وما إليهما. كان الهدف اختطاف النائب طوني فرنجيه، ابن الرئيس الأسبق، من داخل عقر داره في إهدن، والاتيان به إلى بيروت… إلى المجلس الحربي واحتجازه هناك حتى تتوقف مطاردة الكتائبيين في الشمال”.

ويُكمل أبو خليل: “يبدو أنّ محاولة احتجاز طوني فرنجية لم تتمّ على نحو ما هو مخطّط لها. فالمقاومة التي لقيها المكلّفون بالتنفيذ أدّت إلى معركة كان لا بدّ من أن يكون كل مشارك فيها، في الهجوم أو في الدفاع، قاتلًا أو مقتولًا… وما إن انقضت أيام على مأساة إهدن حتى أُلحقت بمأساة أخرى، حينما هوجمت بلدة القاع في البقاع واعتقل 36 من شبّانها الكتائبيين وأعدموا، للفور، بالرصاص”.

وحول إصابة رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع أثناء العملية وانسحابه منها، يروي أبو خليل في كتابه: “فهمت من بشير أنّ سمير مصاب، وقد تكون إصابته خطيرة. وكان بشير يحاول التأكد من إمكان إسعافه ونقله إلى أحد المستشفيات. وفهمت لاحقًا، أنّ إصابة سمير هي في ذراعه”.

وفي السياق نفسه، روى جوزيف توتنجي، أحد شهود العيان، وهو كان عضوًا في المكتب السياسي لحزب الكتائب في حينها، في حديث متلفز، موثّق بالصوت والصورة، بتاريخ 16 تشرين الأول 2018، ما حصل عندما طلب منه الرئيس الشهيد بشير الجميل مرافقته لزيارة جعجع في المستشفى، حيث سأل بشير الأخير عن وضعه فأجاب جعجع، وفقًا لتوتنجي: “أثناء سير العملية، انهمر علينا الرصاص، فأُصبت، ما اضطرني إلى الانسحاب مع مجموعة لنقلي إلى المستشفى، ولم نكمل العملية”.

هنا، تحضر جملة الفبركات التي دأبت المخابرات الأسدية على تسويقها، ومنها تحميل الدكتور جعجع مسؤولية الحادثة، في حين أنّ كل الوقائع تدحض ذلك، مع العلم أنّ مجموعة الدكتور جعجع لم تصل إلى مقر فرنجية، بل مجموعة إيلي حبيقة هي التي وصلت، حيث أنّ جعجع قد أُصيب ونُقل للعلاج ولم يُكمل العملية، وفق الوقائع الموثّقة المذكورة أعلاه.

وقد اعترف تيار “المردة” بعدم مسؤولية الدكتور جعجع عن نتائج الحادثة، وذلك بتصريح موثّق بالصوت والصورة، للقيادي في التيار نفسه، الوزير السابق يوسف سعادة، خلال مقابلة تلفزيونية بتاريخ 16 تشرين الثاني 2018، بقوله حرفيًا: “الدكتور جعجع لا يتحمّل مسؤولية مجزرة إهدن، وهو أصيب قبل أن يصل”.

ومن الروايات التي زرعتها المخابرات الأسدية أنّ أسباب حادثة إهدن المؤسفة، وقعت بسبب مصالحة الرئيس الراحل سليمان فرنجية بالرئيس الراحل رشيد كرامي، وذلك بعد أن انفصل فرنجية عن “الجبهة اللبنانية” والتي كان أحد أبرز أعضائها، في حين أنّ هذه المصالحة تمّت في 12 ايار 1978، ولكن وبعد 20 يومًا من تلك المصالحة حصل اغتيال الكتائبيين طوني مسلّم وريمون شينا ونبيل يوسف وحبيب أيوب على يد عناصر من “المردة” في شكّا، كما كانت قد حصلت قبل تلك المصالحة بـ26 يومًا عملية اغتيال رئيس إقليم زغرتا الزاوية في حزب “الكتائب” جود البايع على يد عناصر “المردة” أيضًا، كما كانت قد جرت قبلها، أيضًا وأيضًا، عشرات عمليات الاغتيال والتنكيل بكتائبيي الشمال منذ مطلع العام 1978، وبالتالي شكّلت تلك الأعمال الاجرامية والاغتيالات الدافع الرئيسي والوحيد لوقوع تلك الحادثة، وقد نُفّذت أعمال “المردة” هذه بناءً على قرار قيادتها، في حينه، بتنظيف الشمال من أي وجود كتائبي، وأي وجود يُهدّد سطوتها على الشمال المسيحي، حيث لجأت إلى أعمال التهديد والتنكيل والاغتيال والقتل والتشريد وتطهير منطقة الشمال من كل عمل سياسي لا ينضوي تحت إمرة آل فرنجية.

وتوازيًا مع الرواية الأسدية هذه، سوّقت مخابرات البعث السوري، بأنّ مخططًا اسرائيليًا يقف خلف الحادثة وذلك بهدف إرساء مشروع تقسيم البلاد، وأنّ مصالحة فرنجية – كرامي، تُعرقل هذا المخطط، بينما تُظهر الوقائع التاريخية أنّ الرئيس فرنجية قد تبنّى، لا بل دعم، ما خَلُصَت إليه “الجبهة اللبنانية” في خلواتها في العام 1977، مشروع “اللامركزية السياسية” كمشروع حلٍّ للصراع الذي كان يعصف بلبنان آنذاك.

ويكشف الأباتي بولس نعمان في مذكراته “الإنسان الوطن الحرية”، بعضًا من تلك الوقائع: “إنّ الوزير السابق هنري طربيه ممثّل الرئيس فرنجية في خلوة “سيدة البير” المنعقدة بتاريخ 21 كانون الثاني 1977 اعتبر أنّ “الصيغة اللبنانية” هُدّمت، وأنّ الحل الوحيد هو باعتماد التعددية السياسية التي تحول دون طغيان الأكثرية العددية”.

لم تنعكس الحادثة المؤسفة، إلا سلبًا على الشمال، وقد واجه الكتائبيون في تلك المنطقة، من بعدها، موجات متجددة من التنكيل أكثر قساوة من تلك التي واجهوها من قبل العملية، وكان تذمّرهم الذي عايشوه قبلًا عن عدم تلقّيهم أي اهتمام من قيادتهم وفق ما روى أبو خليل نقلًا عن لسان الرئيس الشهيد بشير الجميل “ما رأيك لو عملية كوماندوس تضع حدًّا للمهزلة التي تتوالى فصولها في الشمال. وهي السبيل الوحيد لترضية رفاقنا الشماليين، وقد رأيت مثلي، أمس، كم هم ناقمون على القيادة الحزبية بحجة أنها لا تدافع عنهم”، هذا التذمّر تحوّل كابوسًا بعد الحادثة، ويروي أبو خليل: “بدلًا من أن تكون العملية التي أرادها بشير الجميل رادعًا للفلتان، أصبحت سببًا لفلتان مضاعف”.

إنّ سرد الوقائع حول حادثة إهدن وما سبقها، لا يهدف حتمًا لنكء الجراح، ولا للنبش في القبور، ولا لإعادة الحياة لخلافات واختلافات مضى عليها الزمن، ولكن لا يمكن للمجتمعات أن تصل إلى بناء نفسها على أسس سليمة وهي ما تزال غارقة في أضاليل تشوّه الذاكرة وتنقل هذا التشويه الأعمى إلى أجيال وأجيال. لا بُدّ من المصالحة مع الحقيقة والبوح بها، كما هي، من دون زيادة أو نقصان، حتى لو أنّ فيها تنعدم المصالح والاستثمارات والحسابات السياسية.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل