.jpg)
في خضم التصعيد المتسارع بين إسرائيل وإيران خلال الأيام الأخيرة، برز غياب “الحزب” عن المشهد العسكري بشكل لافت، بما يحمله ذلك من دلالات عميقة. فـ”الحزب”، الذي اعتاد تقديم نفسه كقوة إقليمية متقدمة ضمن محور الممانعة، يبدو اليوم، ولحسن حظ لبنان، مهمشًا خارج قلب المواجهة. صحيح أن قراره بقي دومًا مرتهنًا لإيران، لكن ما تغيّر اليوم هو موقعه داخل هذا المحور نفسه، إذ لم يُمنح أي دور فعلي أو مؤثر. يقتصر حضوره اليوم على الترقب من بعيد، عاجزًا عن المبادرة، أو في أسوأ الاحتمالات إذا طلبت طهران، مستعدًا لخوض مغامرة انتحارية لا تتجاوز حدود الإلهاء والتشويش التكتيكي، في معركة خرج منها بالكامل، لا موقع له في قرارها ولا قدرة له على التأثير في مسارها، بينما يبقى لبنان مكشوفًا أمام تداعياتها.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد تكتيك ظرفي، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا يحمل دلالات واضحة على تفكك محور طهران وتراجع مكانة “الحزب” داخله. فالثقة الإيرانية بفعالية “الحزب” في أي مواجهة مفتوحة تراجعت بشكل لافت، بعدما كان يُصنّف لسنوات الذراع العسكرية الأقوى لإيران خارج حدودها. أما اليوم، فالمعركة تُخاض على مستوى الدول، بصواريخ دقيقة وحسابات محسوبة، ولم تجد طهران فائدة من إشراك “الحزب” أو منحه دورًا فاعلًا. في المقابل، لم يجرؤ “الحزب” على التحرك من تلقاء نفسه، إدراكًا منه لحجم المخاطر الوجودية عليه، ولما قد يواجهه من نقمة داخلية لبنانية، إضافة إلى إدراكه لضعف قدراته في ظل حرب مفتوحة لا يستطيع تحمّل نتائجها.
لكن الأخطر من غياب “الحزب” عن المشهد الإقليمي، هو استمرار سلاحه خارج إطار الشرعية. فبعد أن فقد هذا السلاح أي وظيفة استراتيجية إقليمية، كما أظهرت بوضوح المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، لم يعد يُمثّل لا عنصر قوة ولا ورقة ضغط، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للاستقرار الداخلي، وذريعة جاهزة لإسرائيل لتوسيع عدوانها على لبنان في أي لحظة. كذلك سقطت سردية “المقاومة” داخليًا، بعدما عجز “الحزب” عن الدفاع عن لبنان في محطات مفصلية، وامتنع عن الرد حتى على الانتهاكات المتكررة، مدركًا أن أي صاروخ يُطلق من الجنوب قد يُشكّل رصاصة الرحمة عليه، ويضع لبنان بأكمله في دائرة الاستهداف.
وإذا كانت إسرائيل اليوم منشغلة بجبهات أخرى، فإن ذلك لا يعني إسقاط خيار التصعيد في لبنان. بل على العكس، ثمة مؤشرات متزايدة بأن تل أبيب قد تعود لتصفي حسابها النهائي مع “الحزب” قبل نهاية العام، بعد استكمال الجولة الحالية من الضربات على إيران، خصوصًا مع الحديث المتصاعد عن احتمال عدم تجديد تفويض قوات اليونيفيل في الجنوب، ما يُتيح لإسرائيل هامش تحرك غير مسبوق عند الحدود، ويُقلّص مساحة المناورة أمام “الحزب”، ويُقرّب سيناريو الضربة الخاطفة التي تُنهي ما تبقى من بنيته العسكرية.
في المقابل، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي، في ظل عهد الرئيس جوزيف عون، الذي يحرص على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، والسعي لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة. كما تبذل حكومة الرئيس نواف سلام جهودًا جدية لضبط الإيقاع الداخلي وتوفير الحد الأدنى من التوازن في ظل الأزمات المتراكمة.
لكن لا الرئاسة ولا الحكومة، مهما بلغ اتزان مواقفها، قادرة على حماية لبنان أو تحصين اقتصاده، إذا استمر قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، وإذا بقي السلاح مشرّعًا على حساب السيادة. فما تحتاجه الدولة اليوم لا يقتصر على حسن النية أو التوجهات الواعدة، بل يستوجب الانتقال الفوري من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل السيادي الحاسم. فزمن المواربة والمسايرة قد انتهى، ولم تعد حصرية السلاح وبناء الدولة خيارين قابلين للتأجيل، بل شرطين وجوديين لبقاء الكيان اللبناني نفسه واستمراره.
وبالعودة إلى المشهد الإقليمي، يتّضح أن دور “الحزب” لم يعد حتى موضع رهان استراتيجي لدى طهران. فإيران، التي لطالما فضّلت إدارة معاركها عبر الأذرع والوكالات، وجدت نفسها مضطرة، وللمرة الأولى، إلى مواجهة إسرائيل بشكل مباشر على أراضيها، بعد أن جُرّت المعركة إلى الداخل الإيراني. لقد تجرّعت كأس المواجهة التي ظلت تتفاداها لعقود، في تحول فرضه الواقع الجديد منذ تشرين الأول 2023، حين تلقّت ضربات نوعية استهدفت قيادات ووكلاء لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما كشف هشاشة شبكتها الإقليمية، ووضع النظام الإيراني نفسه أمام تحديات وجودية تهدد استقراره الداخلي، ونظام المرشد الذي بدأ يظهر عليه التصدع.
أما سوريا، فقد خرجت فعليًا من كونها ساحة مركزية للمقاومة، وتحولت إلى مساحة نفوذ متشابك بين السعودية والولايات المتحدة والأتراك والإسرائيليين، ما أفقدها وظيفتها السابقة كورقة ضغط مؤثرة في يد محور الممانعة. وباتت دمشق اليوم تقف على هامش المعادلات الكبرى، منشغلة بترميم نظامها وتثبيت حد أدنى من السيطرة، لا بتحريك جبهات لا تفيدها داخليًا.
في المقابل، يُرسّخ الخليج العربي واقعًا جديدًا عنوانه الحياد الإيجابي والتوازن التنموي. فالدول الخليجية، بقيادة السعودية والإمارات، تجاوزت نهج التموضع في محاور الصراع، واعتمدت سياسة الاستباق الإقليمي والمرونة الدبلوماسية، مركّزة على النمو الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات، وصياغة شراكات أمنية مبنية على التوازن لا المواجهة. وهو ما أبعدها تدريجيًا عن ملفات التوتر، وجعلها حَكَمًا لا طرفًا، في مشهد إقليمي يعاد تشكيله ببطء لكن بحزم.
أمام هذا المشهد الإقليمي المتحوّل، لم يبقَ في يد “الحزب” سوى الداخل اللبناني، الذي تحوّل إلى ساحته الحصرية ومصدره الوحيد لاكتساب شرعية متآكلة على الصعيدين العربي والدولي. غير أن هذا الداخل لم يكن يومًا في صلب أولويات “الحزب”، بل بقي رهينة لأيديولوجياته المتطرفة، التي جعلت من لبنان منصةً لصراعات لا تمت بصلة لهويته ولا لمصالح شعبه. فاستنزف مؤسساته بصدامات سياسية متكررة، وشلّ اقتصاده عبر لغة التهديد والقطيعة، وزجّ بالبلاد في مسارات عقابية دولية نتيجة خروجه على الإجماع العربي والدولي. وبذلك، رهن استقرار اللبنانيين لحسابات خارجية، تتنافى كليًا مع أولويات النهوض الوطني، ومع متطلبات بناء دولة قابلة للحياة.
ففي كل محطة مصيرية، كان “الحزب” يضع لبنان أمام خيار واحد: إما الصمت على سلاحه وسلوكه، أو الفوضى. وهذا الابتزاز الممنهج حوّل الدولة إلى غلاف هشّ فوق سلطة موازية، تمتلك قرار الحرب والسلم، وتستأثر بموارد القوة دون أي مساءلة. وإذا استمر هذا المسار، من دون قرار سيادي حازم وواضح يعيد للدولة هيبتها واحتكارها الشرعي للقوة، فإن لبنان سيجد نفسه، مجددًا، في عين العاصفة، لا بفعل مؤامرات خارجية، بل بسبب عجز داخلي عن كسر الحلقة المفرغة التي يُغذّيها الحزب منذ سنوات.
إن السلاح الذي فقد مشروعيته داخليًا بعد ما استجلبه من احتلالات، وما خلّفه من دمار وقتل وانقسام، يسقط اليوم مجددًا على المستوى الإقليمي، بعدما خرج نهائيًا من حسابات المعركة الكبرى بين الدول. ومع تعطّل وظيفته الخارجية، وانتهاء دوره داخليًا، لم يعد سلاح “الحزب” سوى عبء ثقيل يُقيّد الدولة ويشلّ مؤسساتها، ويمنع قيام أي عقد وطني جديد يرتكز إلى أسس السيادة، والمساواة، والعدالة. لقد تحوّل هذا السلاح من أداة “مقاومة” إلى أداة تعطيل شاملة، تمنع لبنان من النهوض وتُبقيه رهينة الفوضى المنظمة. بل حتى في البيئة الحاضنة لـ”الحزب”، بدأت تتآكل شرعية السلاح أمام ارتفاع كلفة الضربات اليومية، وتراجع الجدوى من الاستمرار في تحمّل تبعات مشروع لا ينتج إلا العزلة والانهيار. إذ لم تعد الأصوات الشيعية الحرة استثناء، بل أصبحت مؤشرًا على تحوّل داخلي عميق يعبّر عن انسداد أفق الرهان على السلاح.
إنها لحظة مفصلية ينبغي على “الحزب” أن يدرك خطورتها، وعلى الدولة اللبنانية أن تُحسن قراءتها واستثمارها. على “الحزب” أن يختار بين تسليم السلاح للدولة ضمن رؤية سيادية متكاملة تعيد الاعتبار للشرعية، وبين المضي في مقامرة خطيرة ستقضي عليه وقد تدفع بالوطن كله نحو الهاوية. خيار الدولة واضح، أما خيار “الحزب” فلا يمكن أن يبقى معلقًا على حساب مستقبل شعب بأكمله.
فما لم يُفصل لبنان عن حسابات طهران ومغامرات “الحزب”، فإن الضربة المقبلة لن تُميّز بين من امتلك السلاح ومن رفضه، بل ستطال الكيان اللبناني كله، وتُجهِز على ما تبقى من فرص النجاة. والمجتمع العربي والدولي، الذي لطالما دعا إلى تحييد لبنان واستعادة سيادته، يبدو اليوم أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمواكبة لحظة القرار، إذا ما أظهرت الدولة اللبنانية إرادة واضحة وجدية في استعادة زمام المبادرة. إنها لحظة مصيرية لإعادة الاعتبار للدولة، قبل أن تتحول كل البلاد إلى ساحة تسويات لا مكان فيها للبنان المستقل.