“القضيّة الأرمنيّة في السلطنة العثمانية”.. ثوابت التاريخ والجغرافيا

حجم الخط

القضية الأرمنيةالقضية الأرمنيةالقضية الأرمنيةالقضية الأرمنيةالقضية الأرمنيةالقضية الأرمنيةالقضية الأرمنية

في ذاكرة كل أرمني قصة ألم لا تُمحى، وجرح توارثته الأجيال عبر أكثر من قرن. فالقضية الأرمنية ليست مجرّد فصل في كتاب التاريخ، بل هي حكاية شعب اقتُلع من أرضه، وتشتّت في المنافي، يحمل في قلبه صور القوافل المنهكة، والأمهات اللواتي دفنّ أطفالهنّ على الطرقات، والبيوت التي بقيت تنتظر من لن يعود. في عام 1915، وفي خضمّ انهيار الدولة العثمانية، بدأ أحد أفظع فصول المعاناة الإنسانية، حيث قُتل وهُجّر مئات الآلاف من الأرمن في ظروف قاسية، خلّفت وراءها شعبًا ممزقًا بين الذاكرة والشتات. وعلى رغم مرور الزمن، لا تزال هذه المأساة حيّة في ضمير الشعب الأرمني، حاضرة في أغانيهم وصورهم وصلواتهم. في هذا المقال، نقترب من القضية الأرمنية بعيون الكاتب الدكتور جان شرف حيث أوصل صرخة شعب يبحث عن معنى للعدالة والاعتراف والأمل في مستقبل أكثر إنصافًا من خلال كتابه “القضية الأرمنية في السلطنة العثمانية”.

اعتمد الدكتور جان شرف في كتابه “القضيّة الأرمنيّة في السلطنة العثمانيّة”، المنهج التاريخيّ في البحث السياسيّ، وقد استند إلى خمسة ملاحق منها “تقرير لجنة كنج- كراين” بشأن الدولة الأرمنيّة، وإلى مئة وسبعة وعشرين مرجعًا، منها المصادر البيبلوغرافيّة والمجموعات الوثائقيّة عن تاريخ السلطنة العثمانيّة والأرمن فيها، بالإضافة إلى وثائق عن سياسة الدول الكبرى تجاه القضيّة الأرمنيّة.

دمج شرف في هذا البحث التاريخي، الفلسفة السياسيّة التي كانت قائمة على دراسة الواقع كما هو، بأحداث تاريخيّة جمع تفاصيلها من العديد من المراجع. لأنّه لا يمكن إنجاز أي بحث سياسيّ إلّا بالعودة إلى الجذور التاريخيّة.

في هذا الكتاب عشرات الإحصاءات التي استقصاها الباحث من مراجع عديدة، وبيّنت النسبة بين مختلف السكان على جميع طوائفهم، بعد كل حرب أو نزوح أو اقتلاع للسكان، كما ظهرت خرائط جغرافية بعد كلّ إحصاء، تبيّن الديموغرافية المستجدّة. مما أعطى هذا البحث مصداقية كبيرة نظرًا للدقة التي اتّبعها المؤلّف. فقد قارب الباحث القضيّة الأرمنيّة بالشكل الذي يستسيغه القارئ عند قراءة متون هذا البحث. ولعل من جميل ما طرحه يكمن في خاصية البحث عن الهوية الأرمنيّة والانتماء إلى أرمينيا التاريخيّة. ووضع المتصفّح في إشكاليّة جعلته منكبًّا بشغف على مقارعة الحقائق الواردة في الصفحات، لاستكشاف جوهر الوطن الأرمنيّ والقوميّة الأرمنيّة، من زاوية التفكّر والرؤية ذات الأبعاد التاريخيّة الموضوعيّة، بعيدًا من صنمية التفكير أو وجهات النظر المعلّبة، أو نقل الأحكام المسبقة التي يطلقها المجتمع الدولي حفاظًا على مصالح الدول الكبرى.

ربط شرف بين التاريخ والجغرافيا، كونهما من الثوابت التي تترك آثارًا إيجابيّة أو سلبيّة في مصير الشعوب. فقد بلغت مساحة أرمينيّا التاريخيّة كما حدّدها الدكتور في البحث 619840 كيلومترًا مربعًا. واحتلّت هذه المساحة امتدادًا كبيرًا، من قيصريّة كباذوقية باتّجاه الشرق حتى بحر قزوين، ومن جنوب تفليس في الشمال حتى ضواحي بحيرة أرمينيا في الجنوب. فرقعة أرمينيا التاريخيّة المتّسعة وموقعها المتميّز، جعلاها تنتمي إلى الأناضول وإيران معًا. وبحسب ما دُوّن في الكتاب، مذ سيطر العثمانيّون عليها، احتفظ الأرمن بخصوصياتهم، واستقلاليتهم وفق نظام الملّة العثماني الذي نظّم أمورًا غير المسلمين في السلطنة. وقد شكّلت رقعة السلطنة المدى الحيوي للأرمن، على الرغم من قساوة الطبيعة التي تميّزت بها الأراضي الأرمنيّة. وقد وجد الشعب الأرمني نفسه بين صراعات كثيرة عند تصادم ثلاث امبراطوريّات: الفارسيّة والروسيّة والعثمانيّة. فكان للجغرافيا دورٌ كبيرٌ في الأحداث التاريخيّة التي حصلت للشعب الأرمنيّ في العصور السابقة ولم يزل هذا الدور ماثلًا إلى اليوم.

حدّد البحث تاريخ بدء الظلم الذي لحق بالأرمن اعتبارًا من العام 1431، عندما سيطر إسكندر أحد قادة قبائل “الخراف السود” على أرمينيا وهادَنَ الأرمن. وكانت يريفان مركزًا له، وجعل الأرمني رستم مستشارًا له: “تعرّض الأرمن للتهجير والنزوح. وعمّت بلادهم المجاعة (1431). ناهيك عن السبي ومضاعفة الضرائب”. (صفحة 29)

تحوّلت المسألة الأرمنيّة إلى قضية، منذ القرن التاسع عشر، عندما تخطّت السياسة والأحداث واقع السلطنة العثمانيّة. وتفاعلت التيّارات القوميّة من أجل صهر جميع السكّان على مختلف أديانهم، وتذويب الأقليّات في كيان السلطنة القومي. لذلك حصل حراك تصادمي في تفاعل الأفكار والأحداث، وتطوّر هذا الحراك سلبيًا من جهّة العثمانيّين: “حدث هذا التحوّل في المسألة الأرمنية في القرن التاسع عشر… ووصل إلى ذروته في معاهدة سان ستيفانو التي أنهت الحرب التركيّة الروسيّة في العام 1878. ومن ثم، دُوّلت المسألة الأرمنيّة في معاهدة برلين، لتصبح قضيّة”. (صفحة 10)

صبغ التاريخ الدموي الأحداث التي وردت في السرد تباعًا. فعن دخول الجيش العثماني يريفان وإحراقها، دوّن شرف وصف مؤرّخ حملة السلطان سليمان القانوني عام 1555 عن اجتياح الجيش العثماني للمنطقة بين بتليس ويريفان: “وصل الجيش مدينة يريفان… فأحرق كلّ شيء… ثمّ توغّل في أرض كاراباخ… وفرّ السكّان المحليّون ولم يتركوا وراءهم أثرًا… إلّا أنّ الجيش استولى على كل الممتلكات… والجيش المتعطّش للغنائم، سلب ودمّر مجدّدًا… كلّ القرى والدساكر… كلّ الحقول والأبنيّة أُتلفت ودُمرّت حتى لم يبق أي أثر للحياة فيها…” (صفحة 40)

على الرغم من أنّ الباحث أنصف السلطنة العثمانيّة في مجمل ما قامت به من إيجابيات تجاه الشعوب المغلوبة، إلّا أنّ المآسي والقتل والتهجير واقتلاع السكّان سيطرت على مجريات الأحداث في الكتاب. فقد فرضت السلطة المركزيّة القويّة “السلم العثماني”، وتركت للشعوب الذين لا ينتمون إلى القوميّة التركيّة والمغلوبة على أمرها استقلاليتها المجتمعيّة. واعترفت السلطة العثمانيّة “بحكومات” تسلّمها الأعيان المحليّون في الأقانيم النائية كأرمينيا. على أن تُقدّم هذه الشعوب “مادّة إنسانيّة” للدولة العثمانيّة كتجنيد الإنكشاريّة، وإدخال بعض النساء في حريم السلطان وكبار قادة الدولة.

كان واضحًا في الكتاب، تميّز الأرمن في جميع المجالات: الصناعيّة التجارية والإداريّة والوظائفيّة والماليّة والهندسيّة وجميع العلوم، اعتبارًا من القرن السابع عشر، وكانت السلطنة العثمانيّة تعتمد على خبراتهم وكفاءتهم التي تخطّت كفاءة الأتراك واليونانيّين على حد سواء. لكن ذلك لم يمنع السلطنة من تقديم طموحاتها العسكريّة على حقوق القوميّات غير التركيّة، على الرغم من احتضانها لهم، وخصوصًا الشعوب المقيمة في مناطق النزاع، وكان الأرمن يتحمّلون أعباء معظم الأحداث بحكم موقع أرمينيا الجغرافي. نورد مثلًا واحدًا عن صك النقود، من أمور عديدة، وردت في الكتاب عن نجاح الشعب الأرمني في جميع المجالات: “ونجاح دورهم في هذا المجال، أوصل البعض منهم إلى رتبة أمين أو ناظر (ضرب خانة)، أي المشرف على سك العملة العثمانيّة. فمنذ العام 1757 وحتّى العام 1880، تولّت هذه المهمة عائلة دوزيان، باستثناء فترة 1819/ 1823، التي آلت فيها المهمة إلى هاروتين بزجيان”.

بانت التجاذبات الساسيّة والدينيّة، التي تعرّضت لها الشعوب الأرمنيّة على أرض  أرمينيا التاريخيّة، واضحة في هذا البحث. فكانت هناك التجاذبات المذهبيّة في الكنيسة المسيحيّة، وتلك التي بين الطوائف، والتجاذبات الكارثية التي وقعت بين الدول المحيطة بالأرض الأرمنيّة. فهل جريمة الشعب الأرمنيّ المسالم، أنّ موطنه يقع ضمن رقعة جغرافيّة تتوسّط ثلاث إمبراطوريّات متخاصمة على الدوام: العثمانيّة والفارسيّة والروسيّة؟

على امتداد الصفحات، واعتبارًا من العام 1187، كانت المآسي والاقتلاع والقتل والتدمير من حصّة الشعب الأرمني. ولم يكن الأتراك الوحيدين الذين مارسوا القمع على الأرمن. بل اشترك الصفويون والروس في المجازر، لكن بقدرٍ أقل من الأتراك. وكان العام 1896 بداية الأحداث الخطيرة والمتتالية التي أدت إلى عمليّة الإبادة الأرمنيّة: “على أنّ الحادث الأخير الذي حرّك سفراء الدول كان احتلال فرقة من الطاشناق البنك العثماني في غالاتا (1896)، وما تبعه من طفرة شعبية أثارت ممثلي الدول” (صفحة 177). وحصلت هذه الحادثة بعد أن أثارت الفرق الحميديّة الشائعات واستغلتها، بحيث أخذت الأحداث منحى تدميريًا وطابع الإبادة الجماعيّة.

وحلّ العام 1914، وكادت القضيّة الأرمنيّة تدخل طور حلّها النهائي، مع تدخّل الدول الكبرى، بعد حادثة البنك العثماني التي تبعتها مجازر عديدة، لولا اندلاع الحرب العالميّة الأولى: “فبعد تردد ومناورات دبلوماسية أعلن السلطان في 23 تشرين الثاني 1914، (الجهاد) إلى جانب ألمانيا ضد دول (التفاهم الثلاثي). ومع (الجهاد) استفاقت بعنف الطروحات القوميّة والإسلاميّة التي شكّلت الأبعاد المستقبليّة للسلطنة”. (صفحة 199)

ينتمي الكتاب إلى البحث التاريخي، كونه عرض المجازر والاقتلاع اللذين تعرض لهما الشعب الأرمني، في مدّة تخطّت نصف قرن من الزمن. كما أحصى الضحايا، ودوّن الباحث على صفحاته نسبة الأرمن في المجتمعات التركيّة، قبل وبعد كل مجزرة، مع خرائط تبيّن الانتشار بعد كل تغيير ديموغرافي. فقد ذكر شرف مقاربات حياتيّة ومعرفيّة لذاكرة أرمنيّة غير مثقوبة. فمن المدهش، كيفيّة انتقال أخبار المجازر من السلف إلى الخلف. فهل إنّ ذاكرة الشعب الأرمني مع ما تحمل من حمولة ثقافيّة قادرة على الإجابة عن جملة الأسئلة التي يقاربها هذا الجيل في فيض تجاربه الخاصة، البعيدة في الزمن كلّ البعد عن تواريخ الإبادة. وكي لا تُنسى الإبادة، نحن بحاجة لباحثين كالدكتور جان شرف الذي وضع نقاط الوعي على حروف الأخبار المتداولة بين الشعب وفي المراجع. والذي ساعد في حفظ الذكريات التي لا تُنسى. وظهرت وحدة الأرمن كنيسة وشعبًا علامة فارقة في تاريخهم وفي الأوطان التي انتشر فيها الشتات، على الرغم من اختلاف المذاهب. وكانت اللغة أهم عامل عبّر عن هذه الوحدة: “فعلى صعيد وحدة الجماعة، ظلّت اللغة عامل التواصل، بقدر ما نشطت المراكز الثقافيّة في أديار اتشميدزين ودوغا الجديدة وبتليس وغيرها”. (صفحة 70)

ثمة الكثير ممن كتبوا عن الإبادة الأرمنيّة، أبحاثًا وروايات. وقد سألوا عن جدوى عدم الاعتراف بالإبادة الأرمنيّة، وذهب بعضهم إلى القول بأنّ الإبادة مستمرّة طالما لم يُعترف بها، كناجي نعمان صاحب كتاب “مئةٌ… وتستمرُّ الإبادة” والذي ذكر في مدخله: “نطمئن أن لا خطأ في العنوان، بل المقصود منه تثبيت مقولة المؤلّف أن (طالما الإنكار مستمرّ، فالإبادة مستمرّة)، أو، في اختصار، (الإنكار هو الاستمرار)”.

بين القضيّة الأرمنيّة والقضيّة اللبنانيّة تجوز المقاربة. فالحروب العديدة بين الدول المحيطة بأرمينيا التاريخيّة، قد شرذمت الشعب الأرمني على امتداد روسيا وبلاد الفرس: “أرمن الشرق”، والسلطنة العثمانيّة: “أرمن الغرب”. ونحن اللبنانيّين ما زالت ذاكرتنا تحتوي على عبارة “بيروت الشرقيّة، وبيروت الغربيّة”، وجاءت هذه التسمية بعد محاولة جعل لبنان وطنًا بديلًا للفلسطنيّين، لولا تضحيات المقاومة اللبنانيّة، التي جابهت هذه المؤامرة التي فرضتها دول الجوار برعاية دوليّة لدفن القضيّة الفلسطينيّة، وقد أحيت بذلك هذه المقاومة القضيّة الّلبنانيّة والقضيّة الفلسطينيّة، بسبب إحياء حلم العودة، بعد انتفاء الوطن البديل. والجدير بالذكر أنّ أول بطريركيّة للأرمن الكاثوليك قد شُيّدت في غوسطا عام 1723 على إسم دير المخلّص. فلبنان كان وما يزال بلد الملجأ لكل شعب مضطهد ومظلوم جاءه مسالمًا، وليس لشعب غازٍ ومحتل.

كتب يوسف طراد في “المسيرة” ـ العدد 1765

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل