#dfp #adsense

تهيبوا “خرائط” ما بعد الزلزال!

حجم الخط

صحيفة النهار- نبيل بومنصف

 

لم يمر أسبوع بعد على اندلاع الحرب الإسرائيلية – الإيرانية حتى تكشفت حقيقة لا يرغب أحد في التسليم بها الآن، هي أن الحروب بين الدول لا تنطبق عليها قواعد الحروب بين الدول والميليشيات والأذرع والفروع. وقد يكون لبنان معنيا قبل أي بلد آخر في المحيط المشتعل بأن يستعيد تجارب حروب الشرق الأوسط في القرن الأخير، سواء تلك المتصلة بالصراع العربي – الإسرائيلي منذ نشوء إسرائيل أو سواها بين دول المنطقة، وبعيدا من ترددات القضية الفلسطينية “الأبدية”، للتحلي بفائض التوجس والاسترابة والتشدد الاستثنائي، بالطرق والوسائل شتى، وتوفير عبوره آمنا بالحدود القصوى الممكنة بين تلاطم أخطر حرب إطلاقا يشهدها الشرق الأوسط منذ أكثر من نصف قرن.

 

لعلّ الذاكرة المتصلة بحروب الدول في هذه المنطقة لم تقفل بعد أمام مقارنات ومقاربات تعكس العمق الهائل للاختلاف بين ماضي الحروب وحاضرها، في ظل اختلال قياسي في موازين القوى الاستخبارية والعسكرية التقليدية من جهة والتبدلات العالمية في “قيادة العالم” من جهة أخرى. ومع ذلك، يمكن القول إنه لا يشبه انهيار محور الممانعة وتلاشيه وتساقطه تباعا كسقوط حجارة الدومينو، إلا التلاشي والانهيار المتدحرج للاتحاد السوفياتي بعد عقد تقريبا من نشوء الثورة الخمينية في إيران.

تزرع إسرائيل اليوم دمارا أسطوريا في بنى إيران كافة، ولو بردود إيرانية موجعة ولكن دون المستوى المتخيل في حدوده الدنيا من توازن الردع، فيما يبدو المسرح الدولي والإقليمي مفتوحا بالكامل أمامها وأمام داعمتها العملاقة الولايات المتحدة الأميركية وحدهما بلا منازع. يكاد يغيب تذكر وجود “دول كبرى” كروسيا والصين وحتى الاتحاد الأوروبي والدول الخليجية والدول العربية قاطبة، أمام ثنائية إسرائيلية – أميركية تتحكم في مسار الحرب والتخطيط لليوم التالي، والعالم يتفرج على حرب المدن الدائرة فوق دول الشرق الأوسط وفضاءاته فقط.

في الاجتياحات والحروب السابقة المتصلة بالنزاع مع إسرائيل تحديدا، والتي كان لبنان من ضحاياها الأساسيين، غالبا ما كانت أدوار دولية تشكل عاملا ضاغطا في رسم نهايات الحروب ومسارات اليوم التالي للنهايات. ولذا يغدو الخوف مضاعفا الآن على لبنان، أمام غموض كبير يغلف الشرق الأوسط برمته، وسط ازدياد احتمال إطاحة النظام الإيراني كنتيجة استراتيجية لأشرس حرب تشنها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول2023  ضد دولة وليس ضد “حماس” في غزة و”الحزب” في لبنان وبقايا ميليشيات في جنوب سوريا والحوثي في اليمن.

بعد أقل من أسبوع على اندلاع هذه الحرب قد يكون من أقصى الرعونة إطلاق الأحكام المتسرعة حول مواعيد نهايتها ورسم السيناريوات الاستباقية لإيران والشرق الأوسط الطالع برمته على أنقاضها وركامها، ولم يعد لبنان يقيم على هاجس محوري وحيد هو تمرير قطوع تورط “الحزب” في الحرب واستدراج ضربات قاتلة على لبنان الذي بالكاد يتلمس طريق نهوضه من الحرب الإسرائيلية الساحقة الأخيرة. الهاجس الأكبر والأوسع والأخطر هو تمرير القطوع والاستعداد لترددات زلزال إقليمي غير مسبوق يطاول الخرائط والدول ويهدد البنى المفككة الهشة التي تعيش فوقها شعوب هذه المنطقة بأوضاع مزرية كما لبنان.

والحال أن التغرغر بالطمأنة المخادعة الكاذبة بأن لبنان يبحر نحو الضفة الآمنة لا يستقيم بالثرثرة الكلامية، والمرحلة مفتوحة بالكامل على اختبارات سياسية وأمنية غير مسبوقة في مرحلة انتظار نهاية الحرب والتهيب من “إشعاعاتها” النووية والإستراتيجية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل