
يشهد الشرق الأوسط تحولات متسارعة تُعيد رسم توازنات النفوذ وتضع حدًا عمليًا للامتدادات الإيرانية خارج حدودها. وفيما تتصدّر المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية المشهد الإقليمي، يبرز سؤال حاسم يخص لبنان تحديدًا: هل يمتلك القدرة على التقاط هذه اللحظة التاريخية، وإعادة تعريف موقعه، بعيدًا عن منطق التبعية لمحور فقد فعاليته ووظيفته الإقليمية؟
على مدى العقود الماضية، شكّل “حزب الله” الواجهة الأبرز للمشروع الإيراني في لبنان. غير أن هذا التموضع لم يعد ينتج سوى مزيد من العزلة السياسية والمخاطر الأمنية، وسط أزمة داخلية مستمرة. ومع انكشاف العمق الإيراني وتراجع قدرة طهران على حماية أدواتها الخارجية، بات من الواضح أن هامش التأثير الإقليمي لحلفائها بدأ بالانكماش.
فقدان الوظيفة الإقليمية
الميليشيات المتحالفة مع إيران، ومنها “الحزب”، لم تعد تُعامل كأدوات ضغط مؤثرة في المشهد الإقليمي. فالمعادلة العسكرية تغيّرت، ولم يعد لهذه الأذرع قدرة على تغيير مسار أي مواجهة، ولا حتى على توفير مظلة ردع لطهران. في المقابل، تُدار المعارك اليوم بين الدول، ضمن حسابات دقيقة لا مكان فيها للتدخلات الفوضوية.
في السياق اللبناني، هذا التحول ينسحب مباشرة على وظيفة سلاح “الحزب”، الذي طالما استُخدم تحت عنوان “مواجهة العدو”. أما اليوم، فأي تورّط عسكري للحزب قد يُقرأ على أنه امتداد مباشر لمواجهة إقليمية لا مصلحة للبنان في الدخول فيها، ولا قدرة له على تحمّل نتائجها.
السيادة لا تحتمل التأجيل
في ظل هذا الواقع، لم يعد منطق الانتظار السياسي قابلًا للاستمرار. فاللحظة الإقليمية تفرض على الدولة اللبنانية إعادة تعريف واضح لمفهوم السيادة، واستباق المتغيرات بقرارات عملية تنقل البلاد من موقع التلقي إلى موقع الفعل. التراجع الإيراني يمنح لبنان هامشًا نادرًا، لكنه ضيق ومرتبط بالزمن السياسي. خصوصًا في ظل تقارير متزايدة عن احتمال تصفية الحساب مع الحزب ضمن مرحلة ما بعد الضربات الإيرانية، ما يضع لبنان أمام خطر الاستهداف غير المحسوب.
في هذا السياق، تُطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على تثبيت قرارها السيادي. فعلى الرغم من التصريحات الإيجابية التي خرجت مؤخرًا من رئاسة الجمهورية حول سحب سلاح بعض الفصائل الفلسطينية في منتصف حزيران، إلا أن هذا القرار تمّ تأجيله بحجة التطورات الإقليمية. هذه الخطوة، وإن بدت شكلية في توقيتها، تحمل دلالة سياسية خطيرة: إذ تعطي الانطباع بأن الدولة مستعدة للتراجع عن أبسط قراراتها الأمنية، لمجرد تغيّر السياق الخارجي، حتى عندما لا يكون لهذا السياق تأثير مباشر أو فعلي.
هذا النوع من التردد يطرح علامات استفهام حول التوجّه العام للعهد الجديد، الذي كان من المفترض أن يفتح مسارًا فعليًا لترسيخ السيادة. ومع مرور الوقت، وغياب الخطوات التنفيذية، تتزايد المخاوف من تكرار الفرص الضائعة، ووقوع لبنان مرة أخرى خارج السياق الإقليمي، في الوقت الذي تتحرّك فيه المنطقة لتأسيس توازنات جديدة.
وعلى الرغم من أن القرار السيادي يجب أن ينطلق من الداخل، إلا أن لبنان حظي بدعم عربي ودولي واضح خصوصا مع انتخاب الرئيس جوزيف عون، خصوصًا في الملفات السيادية الحساسة. لكن هذا الدعم بدأ يتراجع تدريجيًا، بفعل المماطلة اللبنانية والتمسّك بسياسة البقاء في المنطقة الرمادية، وهو ما لم يعد مقبولًا في بيئة إقليمية تسير بخطى متسارعة نحو الوضوح والحسم. من هنا، فإن أي خطوة فعلية باتجاه استعادة القرار الوطني ستُعيد تلقائيًا هذا الدعم، وتُثبّت لبنان مجددًا ضمن أولويات الاستقرار الإقليمي والدولي، قبل أن يدير العرب والعالم ظهرهم لنا بشكل كامل.
المطلوب: موقف داخلي واضح
لا يمكن التعويل فقط على التطورات الإقليمية. فالدينامية الدولية لا تعوّض عن القرار الداخلي. المطلوب من الدولة اللبنانية مواقف سيادية تتلاقى مع خطاب القسم وما نص عليه البيان الوزاري لإعادة صياغة موقف عملي وواضح، يرفض بقاء السلاح خارج إطار الدولة، ويؤسّس لعملية جدية تكرّس احتكار المؤسسات الشرعية لقرار الأمن والدفاع.
هذه ليست مواجهة كما يحاول بعض المتضررين تصويرها، بل إعادة تنظيم الأولويات الوطنية. فسلاح فقد مبرراته السياسية، وانكشفت وظيفته الإقليمية، لا يمكن أن يبقى عنصر تعطيل دائم للدولة ومؤسساتها.
لحظة حاسمة… لا مجال للمماطلة
يقف لبنان أمام فرصة نادرة لإعادة التموضع خارج منطق المحاور. وهذه الفرصة لا تحتاج إلى خطاب مرتفع السقف، بل إلى خطوات متدرجة تستعيد التوازن الداخلي وتعزّز الثقة بالدولة كمؤسسة قادرة على فرض القرار.
لكن هذه الفرصة مرتبطة بعنصرين أساسيين: وضوح الرؤية، واستقلالية القرار. وكل تردد في هذا التوقيت، وكل تراجع أمام الضغوط أو الذرائع، لن يُقرأ إلا كضعف في الإرادة، وكمؤشر على أن لبنان لا يزال يتهرّب من استحقاقات بناء دولة حقيقية.
كما أن أي إعادة تموضع سيادي لا يمكن أن تنجح دون مسار متزامن لإصلاح البنية المؤسسية للدولة. فالسيادة لا تُبنى فوق مؤسسات ضعيفة أو مرتهنة، بل تحتاج إلى جهاز إداري فاعل، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية خاضعة حصريًا للشرعية. وهذا الربط بين استعادة القرار الوطني وتعزيز القدرة المؤسسية هو ما يضمن الانتقال من مجرد إعلان نوايا إلى بناء دولة قابلة للحياة والثقة.
المنطقة تتحرك بسرعة، والخريطة تعاد رسمها على أسس جديدة. ومن لا يتموضع الآن بوضوح، سيفقد موقعه لاحقًا… وقد لا تُتاح له الفرصة مرة أخرى.