.jpg)
.jpg)


بيعة يسوع ابن إنسان الانتفاضات الدائمة مذ تظهَّر تكوينها الأول جنينًا بتوليًا في أقداس أمومة عذراء السلام الملائكي، وهي تستند على سرعة بديهية يوسف في استيعابه ما أوكل الرب إليه من خلال إشارةٍ وطاعةٍ ووداعةٍ، وقد كانت نبوءة هوشع: «من مصر دعوت إبني”، هي اختباره الأول في حماية مشروع الخلاص، وما زال ملوك الأمم يطاردون الأمم القاصرة مطاردة أسلافهم أطفالَ بيت لحم، فيستحضر الأب السماوي يوسفًا كالذي جازف ونهض إلى المواجهة العاتية نهوضًا كهنوتيًا يوسفيًا طوقيٌا بشراويًا، في لكنةٍ ونبرة وعبسة فعلت ما فعله زلزال يوم الجمعة العظيمة في حجاب هيكل السَّابق زلزال القيامة!!
ما بين بريَّة الأردن ومذبح بكركي
مقارعة الطَّاغوت في جُحْره لا تستقيم إلاَّ بخشونة صوت كصوت يوحنا وردائه. فالأصوات الراقية الديبلوماسية المهادِنة لا تصلح في ملاعب الوحوش الضاريَّة. وأخطرها أنيابًا ونهشًا، هي تلك التي أعملت فكَّيها ومخالبها في موارد وإيرادات الوطن اللبناني، والأسلاب تتوزَّع على ولاة الأمر القُطْريين، وما فضُلَ عنهم يلتهمه الأتباع المحليون، حتى طال السَّلب الفاضح بيوت الأقداس، فنُهِبت الكرامات وسبيت الحريات. وما لا تنفع معه الجزرة تنفع العصا، وما لا تنفع معه فركة الأنف والأذنين ينفع معه البلانكو..
ذئاب يتولّون مكاتب التحقيق، وثعالب يتدرَّبون على اقتناص الإخباريات في مهارة اقتناصهم الدجاج. والمهانة الكبرى تطوِّق مَن تبقَّى من أبناء الجرأة المجنونة المُخيَّرين بين المذلَّة أو الموت، ولا خيار ثالثًا. فكان لا بُدَّ لبريَّة الأردن مِن أن تتداخل في مساحة الأيام اللبنانية البائسة وابن أليصابات يوكل التبشير بزوال الأيام العاقرة إلى الصَّرح المعطى له مجد لبنان، كما أفراحه وأحزانه. ولم يتوفَّق مار نصرالله لبنان صفير في اختياراته مثلما توفَّق بالخوري يوسف أبن توفيق وماري طوق، ولإطلالاته ملامح تصفرُّ لها وجوه الحكّام المآمير، وتنلوي رقابهم وتصطكُّ ركابهم!!
الريفوني والبشراوي
بين أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات نُكِب قصر جمهورية لبنان بمجنون عظمة، واكبت جنونه هستيريا جماعيَّة كشفت تأصُّل النفسية الفينيقية التجارية المزاجية في “شعب لبنان العظيم”، فتفشَّت العدوى كما في أهل الدنيا اللبنانية كذلك في أهل الدين والجماهير، تتقاطر إلى قصر الشَّغب لحضور عروض مسرحية “تكسير رأس حافظ الأسد وخلخلة مساميره”. وتابع المختلُّ عروضه الهزلية فتوعَّد باللجوء إلى القصف “بسكاكين المطبخ” النووية، إلى أن انتهى عرض الهذيان بتحليق أسراب السوخوي وفرار قبطان سفينة الجمهورية المنكوبة إلى ملجأ سفارة أمه الحنون… وكان بعدها ما كان.
21 نيسان 1994 نجح أجلاف وحدة المسار والمصير بعملية أسر كبير العصاة سمير جعجع، وهو آخر الرفاق القياديين لمار يوحنا مارون. فنزلت الصلبان دفعة واحدة على أكتاف بطريركٍ ذي بلاغةٍ توجز وتنجز. فاستشار روح المشورة الصالحة، فأرشده ضياء القلوب إلى كاهن، سبق ومسحه بميرون الكهنوت أيام كان صاحب الغبطة نائبًا بطريركيًا على بلاد الجبّة. فانتقاه أمينَ سرٍّ لبطريركيّة تتمنطق بأمانتها على أمَّة عديدها أقل من القليل، ورونق إيمانها أكثر من الكثير.
الروح يجاوب ويستجيب، وكيف لا يكون الخوري يوسف طوق هو جواب القدوس للبطريرك؟ وفراسة أب آباء المارونية السادس والسبعين تصيبُ الاختيار الذي لن يندم عليه. وللمختار الطوقي، ملامح هي أقرب إلى محيَّا الصَّخر القاديشي، ولكنة بشراوية مقتبسة من تقسيمات نغم الصلوات السريانية، تفعل فعلها كفعل التَّقسيم باسم صليب الرب على الممسوسين. وكم كانت في عتمات ذلك الزمن مقامات مسكونة بأبالسة الاحتلال الرَّجيم تُرعب المغلوب على أمرهم بأساليب رعبٍ تجاوزت فنون لوسيفورس. ولا راعب يرعبهم، كما كانت ترعبهم تعابير وجه أمين سر البطريركية بحزمها الطوقي البشراوي البطرسي الأنطاكي!!
صرح صروح الأمَّة المارونية يشتاقكَ عائدًا إليه، وصوته في يتمٍ بعد صوتِك، ووقفاته في تلكُّؤ بعد وقفاتك، وإطلالته ومواقفه زئبقية بعد مواقف غبطة ”قد قلنا ما قلناه”. ويخشى ما يخشاه هو إدمان الوقوف على الأطلال والتواري خلف الظِّلال. لكنتُك البشراوية يا عاصفة الكهنوت البشراوي تبقى ركنًا دائم القرع عالي الصوت، من أركان جرس بكركي الكبير. وإطلالتك الأربعائية إضافة أنطاكيَّة على حدود أنطاكيا وسائر مشرق شمس كهنة لم ولن يندم عليهم الرب.
هيرودس في كل رتب الفخامات والمعاليات والسعادات، قد أخذ راحته من بعدك وما عاد عنده أدنى حرج أو حياء إن تصدَّر صفوف البيعة في يوم تذكار قطع رأس يوحنا المعمدان!!
أربعاء أول شهر انعقاد مجلس المطارنة الموارنة، كانت هزَّات البدن تحلُّ كنزلات البردية على حكّام قضاء الأسد الشامي وقدره من أعلاهم رتبة حتى أدناهم مُخبرًا، وهم الأعلم من هو صاحب مقولة: “سوريا ليس لها أصدقاء، فإما عبيد أو أعداء”…
عند حلول ظهيرة أربعاء أول الشهر، كان عضوات حارة القصر المقصوف بالسوخوي والمرمم بسخاء سعاة الخير الشخصي، يتحلَّقون بوجوهٍ زعفرانية حول جهاز تلفزيون القصر الواقف على فاصلة ونقطة. والمرحوم الياس الهراوي في وجه لا يفسَّر، يعيد عبارته الشهيرة: “الله يسترنا من عبسة الخوري ابن طوق”!!
كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1765
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]