#dfp #adsense

بيان الولاء.. وسقوط السيادة

حجم الخط

الحزب

في لحظة بالغة الدقة، وفي ظل اشتداد الصراع بين إسرائيل والنظام الإيراني، خرج الأمين العام لـ”الحزب”، نعيم قاسم، ببيان لا يمكن وصفه سوى بأنه إهانة صريحة لوعي اللبنانيين، وخيانة موصوفة لمفهوم الدولة. بيان يفيض بولاء أعمى للمرشد الإيراني، ويخلو كليًا من أي التزام تجاه الدولة اللبنانية، أو شعبها، أو دستورها.

من بدايته حتى نهايته، لا يتحدث “الحزب” كجزء من دولة، بل كجسم عقائدي – أمني يعمل وفق منطق خارجي لا يصدر من بيروت، بل من طهران. يخوض معركة ليست معركته، ويُطلق تهديدات لا تعبّر عن سيادة لبنان بل عن ارتباك طهران في لحظة مفصلية من الصراع.

ما يكشفه البيان بوضوح هو درجة الذعر التي يعيشها “الحزب” خشية سقوط النظام الإيراني. فالنظام في طهران يواجه اختراقًا غير مسبوق، والضربات التي تنهال على الداخل الإيراني فضحت هشاشته أكثر مما أظهرت قوة خصومه. ومن هنا، لم يكن أمام “الحزب” سوى رفع الصوت، في محاولة لإقناع نفسه وبيئته بأنه لا يزال فاعلًا، بينما الحقيقة أنه لم يتعافَ بعد من الضربة الأخيرة في جنوب لبنان، ولا من الخسائر الميدانية والمعنوية التي لحقت به، والتي باتت ظاهرة في جميع جوانب المشهد اللبناني.

وسط هذا الضعف البنيوي المتنامي، يخرج مضمون البيان ليعكس أزمة بنيوية تتجاوز حدود الخطاب السياسي، وتكشف عمق الارتباط العضوي بين “الحزب” ومصير مشروع خارجي آخذ في الانكماش. البيان في جوهره ليس سوى حبر ملوّث بخيانة السيادة، لأن أي جهة، مهما كان حجمها أو ادعاؤها، لا تملك حق المغامرة بلبنان دفاعًا عن نظام خارجي لم يُستشر اللبنانيون بشأنه، ولم تُعلن الدولة دخوله ضمن مصالحها العليا. وحين يتوعد “الحزب” بالتحرك إذا تعرضت إيران للخطر، فهو لا يفعل ذلك وفاءً مبدئيًا، بل بدافع غريزي مرتبط بمصيره الذي لا ينفصل عن مصير نظام ولاية الفقيه. فإذا سقطت طهران، سقط “الحزب”، وإذا انكسر الولي، انطفأ ذراعه اللبناني.

ولعل أخطر ما في هذا التموضع، أنه يُسكت الأصوات الشيعية الحرّة التي تُطالب بدولة، ويُلبس الطائفة ثوب الولاء الإجباري، بينما الحقيقة أن داخل هذه البيئة من يرفض الوصاية، ويريد العودة إلى الدولة، لكن “الحزب” يقمع هذه الأصوات أو يخوّنها في محاولة مستمرة لاحتكار التمثيل والطاعة.

وفي ظل هذا القمع، يغدو غياب الدولة تواطؤًا صامتًا يُفاقم مأساة السيادة المستباحة. فالدولة، الغائب الأكبر عن هذا المشهد، لا تزال تلوذ بمواقف رمادية، يكرّر فيها مسؤولو الجمهورية لازمة القرار 1701 وحصرية السلاح بعد استقرار الوضع الإقليمي، في خطاب لا يعكس سوى عجزٍ مزمن، وتواطؤٍ مموّه بالصمت. وكأن لبنان يملك ترف الانتظار حتى تهدأ العواصف ليستعيد قراره، فيما الحقيقة أن السيادة لا تُسترد بالحياد، بل تُنتزع بالموقف والإرادة والقرار.

الواقع أن الدولة اللبنانية لا تكتفي بالغياب، بل تمارس سياسة الإنكار المستمر، خشية مواجهة الحقيقة الجوهرية: فهي عاجزة عن فرض سيادتها، لا بفعل المعطيات الإقليمية وحدها، بل لأنها ترزح تحت وصاية داخلية يمثلها الثنائي الشيعي، الذي يُمسك بقرارها الاستراتيجي ويبتزُها عند كل استحقاق بالمحظور الأكبر: الحرب الأهلية.

هكذا، لا تجرؤ الدولة إلا على “أن تكون دولة” في وجه المواطنين المؤمنين بها، بينما تتجنب أن تكون دولة أمام من يحتكر السلاح ويخطف القرار. في المقابل، تُستكمل المهزلة عبر تسويق مشاريع “إصلاح” خالية من أي محاسبة، تُدار بمنطق المحاصصة، وكأن التغيير يمكن أن يولد من داخل التركيبة التي أنتجت الانهيار.

وما يزيد قتامة هذا الواقع، أن السلطة تُقابل الانهيار بالقمع لا بالإصلاح، في نهجٍ يستهدف كل صوت سيادي صادق. فتُكمّ الأفواه التي تجرؤ على تسمية الأمور بمسمياتها، خوفًا من ردة فعل “الحزب”، وكأن كلفة الكلام أعلى من كلفة الخضوع.

بيان “الحزب”، بتوقيته ومضمونه، لا يحمل رسالة إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل يُخاطب الداخل الإيراني المتآكل، ويحاول تعويض انكشاف الساحة اللبنانية بعد الضربات. وما لا يدركه “الحزب”، أن صراخه السياسي لا يُرعب الخصوم، بل يكشف ضعف المشروع الإيراني على أبواب بيروت، في لحظةٍ يتقدّم فيها الإقليم نحو معادلات أمنية جديدة، لا مكان فيها لكيانات موازية تتستر بشعار المقاومة.

البيان يُسقط آخر أوراق التوت عن سردية “المقاومة”، ويضع “الحزب” في مواجهة مفتوحة مع جوهر الدولة اللبنانية وهويتها. ومن يُعلن ولاءه لقائد أجنبي، ويتوعّد بالتحرك بأوامر صادرة من خارج الحدود، لا يمكن اعتباره تنظيمًا لبنانيًا، مهما حمل من جنسية أو رفع من شعارات. ومن هو مستعد أن يُغامر بجرّ لبنان إلى أتون دمار إقليمي دفاعًا عن نظام خارجي، لا يدافع عن قضية، بل يُثبت بوضوح أنه طرف مأجور، على استعداد لتمزيق وطنه في سبيل البقاء في ظل سيده الأجنبي.

بيان “الحزب” لا يُعبّر عن موقف سياسي داخل الدولة، بل يكشف عن تموضع عسكري يتجاوز مفهوم السيادة، ويضرب الانتماء الوطني في عمقه. أما التعاطي مع هذا الواقع وكأنه شأن داخلي أو أمر واقع، فهو تماهٍ مكشوف مع وصاية خارجية معلنة.

الاستمرار في هذا المسار لا يعني فقط تعطيل الدولة، بل إخراج لبنان رسميًا من معادلة الاستقلال، ووضعه تحت سلطة مشروع خارجي مسلح لا يعترف بدستور ولا بمؤسسات. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي صمت من الدولة يُعد شراكة ضمنية في الانهيار، وأي تبرير سياسي له يُعتبر مساهمة مباشرة في تقويض ما تبقّى من سيادة.

المطلوب الآن موقف وطني واضح لا يحتمل التأويل: إما التزام حصري بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، أو اعتبار كل من يتجاوزها جهة خارجة عن الشرعية الوطنية. غير ذلك، لن نكون بصدد بناء دولة، بل إدارة موت بطيء على أنقاض وطنٍ أُفرغ من روحه.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل