#adsense

ذكرى رحيل عاصي الرحباني.. الحلم اللبناني الذي صار موسيقى

حجم الخط

في اليوم الذي يجمع عيدَي الأب والموسيقى، في 21 حزيران، رحل عاصي الرحباني، وهو الذي صنع مجدًا لبنانيًا في عالم الموسيقى والشعر والمسرح والغناء. وككل سنة، أرادت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” أن تعيد سرد نتفٍ من أوراق أيامه التي لا تُنسى، تحيةً لمن جعلنا نحلم بوطن رسمه لنا في “هالة والملك”، و”ناطورة المفاتيح”، و”جبال الصوان”… تلك المسرحيات التي ربما لم يتسنَّ لشباب اليوم مشاهدتها على المسرح، ولا حتى على شاشة التلفزيون، لكنهم رسموا تفاصيلها في مخيلتهم عبر صوت الراديو.

وُلد عاصي في قرية أنطلياس بجبل لبنان في 4 أيار 1923، وسُمِّي على اسم جده لأبيه. تربّى في الضيعة بين البساتين، وتردّد إلى المدرسة والكنيسة، فغُرست فيه الروحية، وتعرّف إلى ثقافة المنطقة. أمضى أوقاتاً طويلة من طفولته في علّية مقهى والده، يشاهد الزبائن ويستمع إلى أغاني سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وغيرهم من مشاهير المطربين عبر “الفونوغراف”. وخلال تلك الجلسات، كان عاصي ينسج الحكايات على مسامع أخيه الأصغر منصور، وفي نهاية اليوم، كان يجمعهما والدهما ويعزف على آلة البزق ويغني بعض المواويل.

في تلك الأثناء، أصدر عاصي مجلة صغيرة باسم “الحرشاية” عام 1937، كتبها بخط يده ووقّع على كل موضوع باسم مختلف، مدّعيًا وجود مجلس تحرير لها، وكان يقرؤها على العائلة والأصدقاء. كما كان يحضر دروس الموسيقى في دير مار الياس – أنطلياس سرًّا، لأنه لم يُتح له الانضمام إلى الجوقة. وعندما اكتشف الأب بولس الأشقر ذلك، بدأ بتعليمه الموسيقى عام 1938، ثم انضم إليه شقيقه منصور.

في عام 1939، تقدّم عاصي لاختبار وظيفة، وقُبل في وظيفة بوليس وأمين سر في بلدية أنطلياس، إضافة إلى تولّيه مهام مكافحة الكلاب والقطط الضالة. وكان ذلك على النقيض من والده “القبضاي” الذي كان بعيدًا عن مظلة القانون.

بدأ عاصي عمله في الإذاعة اللبنانية كعازف كمان في فرقتها الموسيقية عام 1947، وتابع دراسة التأليف الموسيقي على يد الأستاذ الفرنسي برتران روبيار، ولحق به شقيقه منصور. وشكّلت سنة 1949 نقطة تحوّل في حياته، حين استدعاه مسؤول الإذاعة، حليم الرومي، وطلب منه التعاون مع مطربة شابة تُدعى نهاد حداد، اختارت لاحقًا اسم “فيروز” اسمًا فنيًا. هكذا بدأت العلاقة الفنية بينهما بأغنية “حبّذا يا غروب”. ومنذ ذلك الحين، تعاون الأخوان رحباني مع فيروز، وأنتجوا ما يقارب خمسين أغنية خلال تلك المرحلة. ورغم الانتقادات التي طالت قصر الأغنية، استمرّوا، ثم تزوّج عاصي من فيروز عام 1955، ورُزقا بأربعة أولاد: زياد، هلي، ليال، وريما.

أسّس عاصي ومنصور “مهرجانات بعلبك الدولية” عام 1957، وألفا معًا المسرحيات الغنائية والأغاني التي بثّتها الإذاعة والتلفزيون. ومع بداية الستينيات، تألّق نجم الأخوين وفيروز، وبلغوا العالمية في السبعينيات. وقدّموا ثلاث أفلام سينمائية: “بياع الخواتم”، “بنت الحارس”، و”سفر برلك”. أما أبرز مسرحياتهم الغنائية، فمنها: “لولو”، “الليل والقنديل”، “ناطورة المفاتيح”، “يعيش يعيش”، “ميس الريم”، “المحطة”، “هالة والملك”، “الشخص”، “أيام فخر الدين”، “بترا”، وغيرها.

في هذا اليوم، تنحني الدائرة الثقافية أمام عبقرية عاصي الرحباني العابرة للأزمنة، ولا بدّ من الاعتراف بأنه لم يكن حادثًا هامشيًا في حياتنا… بل كان جيلًا، ومؤسسة، وأكاديمية، وحادثةً كبرى من حوادث التاريخ. جعل من القرى اللبنانية نجومًا معلّقة، أهم من باريس ونيويورك. وهو نفسه كان جبلًا من جبال لبنان، الأشمخ والأسمى!​

خبر عاجل