Site icon Lebanese Forces Official Website

ما كان “مبرراً”… سقط البارحة!

صحيفة النهار- نبيل بومنصف

 

من باب “الهوامش” الضئيلة المتاحة أمام المراقبين الجادين وغير الانفعاليين طبعاً، في معاينة تداعيات الضربة الأميركية للمواقع النووية الإيرانية الثلاثة أمس، أن يلاحظوا خطورة الركون إلى توقعات وتقديرات مسبقة كأنها خلاصات ثابتة في حرب صارت سمتها الأساسية “اللامتوقع”. يكفي للدلالة إلى استثنائية هذه الحرب في كل معالمها أن تحصل الضربة الأميركية بعد أيام معدودة على تحديد مهلة أسبوعين لقرار التدخل الأميركي. ومع تصاعد الوتيرة الحربية يمكن الجزم بلا تردد هنا أن الاشتعال الإقليمي الواسع الذي سيحوّل الحرب إلى مواجهة إقليمية مخيفة بات أقرب الاحتمالات إذا مضت إيران في استراتيجية “الرد الشمشومي” الشامل في المنطقة، كما أن احتمال انفجار مفاجآت مذهلة متصلة بمصير النظام الإيراني بعد الضربة الأميركية تحديداً لا يمكن إسقاطه إطلاقاً.

 

في هذا المنقلب الثاني المخيف في الحرب، البادئ من البارحة، والعالم كله صار معنياً بخطر الحرب الإقليمية كما “بالأمن النووي”، كيف تراه لبنان سيأمن جانبه ولو أن التداعيات الحربية المباشرة عليه لا تزال محدودة بـ”عبور” الصواريخ والمقذوفات الإيرانية العابرة للفضاء الحربي في الشرق الأوسط فوق بعض مناطقه، وطبعاً فيما تسرح وتمرح الطائرات والمسيّرات الإسرائيلية في سمائه على مدار الساعة والأزمان؟

 

قد يكون من المغالاة والغطرسة الإعلامية والسياسية الاستمرار في إغداق الدروس على رموز السلطة اللبنانية في القيام بكذا وكذا الآن، فيما نرى أكبر الدول وأكثرها مهمشةً بالكامل أمام حرب ستظهر وقائعها تباعاً أنها مختلفة عن كل الحروب، وتمكنت الشراكة الأميركية الإسرائيلية فيها من احتلال المسرح ثنائياً وإقصاء كل الدول بلا أي منازع عن أي تأثير على التحكم بها. ومع ذلك، فإن كل الدول تلك ليست لبنان، بمعنى الواقع الضاغط الذي يلزمه التعايش القسري الدائم مع موروثاته الآسرة من جهة، وتطورات الحرب الجارية من جهة أخرى. عند الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل وعبرها حتى العمق اللبناني، ثمة شعرة فاصلة بين نجاة لبنان الناجزة والحاسمة من الحريق الإقليمي المخيف والمتسع أو السقوط القاتل الانتحاري في التجربة “الأخيرة” حتماً هذه المرة. وإذا كان تكرار هذه المعادلة بات مملاً ورتيباً، على خطورة أن تغدو مجرد شعار نتغرغر به بلا مضمون عملي، فإن الواقع السياسي والرسمي اللبناني الذي برز قبيل الضربة الأميركية التي أخذت الحرب إلى الفصل الحاسم مبدئياً، لا يشجع إطلاقاً على توسّم استراتيجية لبنانية ناجحة وملزمة للعبور بلبنان في مرحلة التكيف مع هذه الحرب بلا مفاجآت سلبية أو تداعيات خطيرة. يكفي أن يبقى لبنان تحت وطأة حالة اللايقين والغموض المبهم، وليس “الغموض البناء” المزعوم على ألسنة بقايا المنظّرين الممانعين، في شأن تورط “الحزب” أو امتناعه عن التورط في الحرب لإثبات أن الحزب، حتى في حالة افتراض راجحة بأنه صار أعجز من أن يتورط، لا يزال يملك أخطر أوراق التأثير بل والتحكم بقرار الدولة اللبنانية حتى إشعار آخر.

ما صدر عن الرئيسين عون وسلام عقب الضربة شكل الموقف المطلوب بلا شك، ولكن الأهم  إلزام الحزب وإشعاره بأن الدولة ستحمي لبنان أياً يكن الثمن، وأن كلفة التزام القرارات الحاسمة للدولة أقل من كلفة الانتحار.

فما كان لا يزال مبرراً قبل البارحة لم يعد يستقيم على مشارف الحرب الإقليمية الكبرى!    ​

Exit mobile version