#dfp #adsense

حروب القوى الكبرى بالوكالة.. الهند وباكستان على فوهة الصراعات

حجم الخط

في المشهد العالمي المتحول، لم يعد النزاع بين الهند وباكستان مجرّد صراع حدودي، بل أضحى مرآة لصراع أكبر يعكس إعادة توزيع القوى الدولية وتبلور نظام عالمي جديد. هذا النزاع، الذي طالما اعتُبر إقليميًا، تحول تدريجيًا إلى ساحة مواجهة متعددة الأبعاد بين الولايات المتحدة والصين، بين الرأسمالية الغربية والنموذج الصيني، وبين الهويات الدينية والثقافية المتباينة داخل جنوب آسيا نفسها.

حين أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب التجارية مع الصين، لم يكن الأمر مجرّد نزاع جمركي، بل كان بمثابة تدشين لرؤية أميركية تسعى إلى إعادة رسم سلاسل التوريد العالمية وتفكيك الاعتماد الاقتصادي العميق على الصين. ومع تزايد القناعة في دوائر صنع القرار الأميركية بضرورة كبح الطموح الصيني الاقتصادي والجيوسياسي، بدأ البحث الجاد عن بدائل آسيوية موثوقة، وجاءت الهند في مقدمتها.

 

الهند إلى مركز الصناعات العالمية بدعم غربي

بفضل نموها الاقتصادي المتسارع وقاعدتها الديموغرافية الشابة، تحوّلت الهند إلى مرشح استراتيجي لخلافة الصين كمركز تصنيع عالمي. ضمن إطار استراتيجيChina+1، بدأت عملية الانتقال التدريجي لمئات الشركات والمصانع من الصين إلى الهند، وفيتنام، ودول آسيوية أخرى. هذا التحوّل لم يكن مجرّد إعادة توزيع اقتصادي، بل تعبير عن تحوّل سياسي أوسع، إذ دعمت الولايات المتحدة وأوروبا هذا التوجه لتعزيز مكانة الهند كقوة توازن إقليمي في وجه النفوذ الصيني المتعاظم. وعليه، ارتفعت التجارة الثنائية بين الهند والولايات المتحدة لتتجاوز 191 مليار دولار في 2023، فيما باتت نيودلهي شريكًا تجاريًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي. هذا التصاعد التجاري يعكس الثقة الغربية المتنامية بالهند كمحور صناعي واستراتيجي بديل للصين. وجاءت التحالفات الرباعية التي تضم الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا، لتعكس هذا الدعم السياسي-الأمني، وتؤكد الرهان الغربي على الهند ليس فقط كقوة اقتصادية ناشئة، بل كركيزة جيوسياسية رئيسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

غير أن هذا الصعود يواجه تحديات داخلية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، واتساع الفجوة في التنمية بين المناطق الحضرية والريفية، ما قد يشكل عائقًا أمام استدامة النمو الصناعي، مما يولّد ضغوطًا اجتماعية وسياسية تؤثر على استقرار المشروع الاقتصادي الهندي الطموح.

 

باكستان الحليف الصيني والدرع المتقدم لمبادرة الحزام والطريق

على الضفة الأخرى، وجدت الصين في باكستان شريكًا استراتيجيًا يعزز رؤيتها لمبادرة الحزام والطريق. فمشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) لا يمثل مجرد استثمار بنيوي ضخم، بل هو حجر الزاوية في سعي بكين للوصول إلى المياه الدافئة للمحيط الهندي وتخفيف التبعية لمضيق مالاكا الخاضع للرقابة الأميركية.

وبحسب التقديرات الصينية، بلغ حجم الاستثمارات ضمن مشروع CPEC أكثر من 62 مليار دولار حتى العام 2024، وتشمل البنى التحتية والموانئ، وقطاع الطاقة. هذا الحجم الاستثماري يجعل من باكستان أحد أكبر مرتكزات الحزام والطريق، ويُفسّر تمسّك بكين بالاستقرار السياسي والأمني داخل أراضيها.

تدرك الصين تمامًا أن استقرار باكستان ضروري لنجاح هذا المشروع، وأي تهديد للاستقرار في كشمير أو في باكستان عمومًا يشكل خطرًا مباشرًا على طموحاتها الجيوسياسية والاقتصادية. ولهذا كان دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري لإسلام آباد متواصلًا ويزداد عمقًا مع تصاعد التوترات.

 

صراع الهويات الدينية يعمِّق النزاع

يلعب البُعد الديني دورًا محوريًا في تغذية النزاع. وتشهد الهند الخاضعة لحكم حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) بزعامة ناريندرا مودي، صعود تيار هندوسي قومي متشدد يسعى لإعادة صياغة الهوية الوطنية على أسس دينية هندوسية، بما يتجاوز السياسة إلى مشروع ثقافي وحضاري كامل. هذا التوجّه يجعل من الصراع مع باكستان ـ التي تقدم نفسها كحامية للمسلمين في كشمير وجنوب آسيا ـ صراعًا حضاريًا-عقائديًا وليس فقط جيوسياسيًا. وهذا التوتر العقائدي يجعل أي تسوية سياسية صعبة، إذ تُفسّر التنازلات كخيانة للهوية والرسالة الدينية لدى الطرفين، مما يعمق جذور الصراع ويزيد من هشاشة أي حلول تفاوضية.

إلى ذلك، تلعب الجماعات غير الحكومية، ولا سيما الجماعات المسلّحة أو الحركات الانفصالية، دورًا في تعقيد المشهد. فوجود تنظيمات متطرفة داخل كشمير أو على حدود باكستان، مثل “جيش محمد” و”لشكر طيبة”، يضفي طابعًا أمنيًا على النزاع ويخلق هامشًا للمواجهة غير النظامية. وتُوظف بعض هذه الجماعات كأدوات ضغط من أطراف إقليمية أو دولية لإشعال التوترات أو عرقلة التسويات السياسية، ما يُبقي الصراع مفتوحًا على احتمالات عنف متجدد وغير قابل للضبط.

وبالمثل، لا يمكن إغفال تأثير الأحزاب الدينية في باكستان، مثل “جماعة علماء الإسلام” و”جماعة الدعوة”، التي تضطلع بدور كبير في تغذية الخطاب العقائدي حول كشمير وتعزيز مناخ التعبئة الإسلامية ضد الهند. هذا التماثل في النزعة الدينية على ضفتي الصراع ـ سواء عبر القومية الهندوسية أو الإسلام السياسي ـ يسهم في ترسيخ العداء المتبادل، ويحوِّل النزاع إلى صراع هويات مغلق يصعب فكه بالحوار السياسي التقليدي.

 

الصراع الحدودي محلي أم واجهة لحرب غير مباشرة؟

لم يعد التصعيد المتكرّر بين الهند وباكستان ـ سواء في كشمير أو على خطوط التماس الأخرى مجرّد تجليات لنزاع محلي، بل أصبح واجهة لحرب غير مباشرة تحمل بصمات التنافس الأميركي-الصيني. فكلما تقدمت الهند في مسعاها للتحوّل إلى مركز صناعي عالمي، زادت الضغوط لإبطاء هذا الصعود عبر استنزافها في صراعات حدودية وأمنية.

في المقابل، فإن أي اضطراب أمني يُعيق الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني يشكل ضربة مباشرة لمصالح بكين ويهدد مشروعها الطموح لربط آسيا بإفريقيا وأوروبا عبر شبكات نقل وخطوط تجارية جديدة.

 

تداعيات النزاع على الصين: أزمة قرب الحدود ومخاطر أمنية مستدامة

استمرار التوتر العسكري والسياسي على تخوم الحدود الصينية الغربية يفرض على الصين تحديات أمنية مزدوجة:

أولًا، إمكانية انتقال التوترات إلى الحدود الصينية الهندية حيث حدثت سابقًا اشتباكات مسلّحة في لداخ وأروناتشال براديش، وقد يتفاقم النزاع إذا تصاعدت حدة المواجهات الهندية-الباكستانية مما يضطر الصين إلى تعزيز وجودها العسكري في مناطق تعتبرها هشة استراتيجيًا.

ثانيًا، تهديد استقرار مشاريع الحزام والطريق، لا سيما أن أي تصعيد طويل الأمد يمكن أن يؤثر على تدفق التجارة والاستثمارات الصينية عبر باكستان ويعرقل مشروع الممر الاقتصادي (CPEC)، وهو حجر الأساس في استراتيجية الصين للوصول إلى المياه الدافئة.

ثالثًا، زيادة التكاليف السياسية والعسكرية: كلما طال النزاع، اضطرت بكين للعب دور أكبر، سواء كداعمة لباكستان أو كقوة موازنة، مما يعرضها لمخاطر الاستنزاف الاستراتيجي في صراع لم تكن ترغب في تعميقه.

يُضاف إلى ذلك البُعد الداخلي الحساس، حيث تخشى بكين من انعكاس تصاعد النزاع على إقليم شينجيانغ المسلم المتاخم للحدود، إذ يمكن أن يوفر تصعيد التوترات ذريعة جديدة للمجموعات الانفصالية أو يفتح المجال أمام موجات تعبئة عقائدية تستغلها أطراف معادية للصين، ما يزيد الضغط الأمني داخل واحدة من أكثر مناطقها هشاشة.

في سياق النزاع المتعدد الأوجه، بات جنوب آسيا أيضًا ساحة اختبار للأسلحة والتقنيات العسكرية الحديثة. فالصين ترى في أي مواجهة محتملة فرصة لتجربة أسلحتها المطورة، سواء في الدفاع الجوي، أو الطائرات المسيرة، أو أنظمة الحرب الإلكترونية، تمهيدًا لعرضها في الأسواق العالمية والتأكد من قدرتها التنافسية مع الأنظمة الغربية.

في المقابل، تسعى الهند التي تعتمد على دعم عسكري متزايد من الولايات المتحدة، فرنسا، وإسرائيل، لاختبار وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية، ما يجعل المنطقة أيضًا سوقًا مفتوحة لصناعات الدفاع العالمية.

وتساهم هذه الديناميكية في تغذية مصالح “لوبيات” السلاح على الجانبين، والتي ترى في النزاع فرصة لتسويق تكنولوجياتها وتعزيز مبيعاتها وتوسيع نفوذها الصناعي والسياسي.

 

التغيّر المناخي: التهديد الصامت في قلب النزاع

بينما تتصدر العوامل السياسية والأمنية مشهد التوتر، تظهر تهديدات أخرى غير تقليدية بدأت تفرض نفسها بقوة في معادلة النزاع، وعلى رأسها التغيّر المناخي وندرة المياه. وتتزايد المخاوف مع تسارع ذوبان الأنهار الجليدية نتيجة التغيّر المناخي من نقص حاد في المياه، مما قد يحوّل الصراع إلى حرب موارد بامتياز. وقد لا تقتصر النزاعات المستقبلية على الحدود السياسية، بحيث تشمل التحكّم بمصادر المياه والسدود، خصوصًا وأن معاهدات تقاسم المياه القائمة بين البلدين ـ مثل معاهدة مياه السند ـ قد تصبح غير كافية أو عرضة للانهيار تحت ضغوط التغيّرات البيئية.

 

لعبة النفوذ الكبرى: تقاطع المصالح وتصارع الاستراتيجيات

الصراع بين الهند وباكستان لم يعد قائمًا بين دولتين فقط، بل أصبح عقدة استراتيجية يتداخل فيها:

– الولايات المتحدة التي تعمل على تطويق النفوذ الصيني وفتح بدائل اقتصادية وسياسية.

– الصين التي تحاول الحفاظ على حلفائها وضمان نجاح مشاريعها التوسعية.

– روسيا التي تسعى للحفاظ على علاقاتها التاريخية مع الهند وتوسيع قنوات التعاون مع باكستان لتحقيق توازن دقيق في آسيا الوسطى.

– السعودية التي تلعب دور الداعم المالي والاستثماري، خصوصًا في باكستان، للحفاظ على نفوذها الإقليمي.

– تركيا التي تستثمر في الخطاب الإسلامي لدعم قضية كشمير واستقطاب تعاطف شعبي في جنوب آسيا، في إطار طموحاتها الجيوسياسية المتوسعة.

وعلى رغم تعدد المبادرات الدبلوماسية التي حاولت القوى الكبرى إطلاقها للتهدئة بين الهند وباكستان، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما افتقرت إلى الجدية الحقيقية والضغط الفعلي للوصول إلى حلول دائمة. ويعود ذلك إلى أن استمرار النزاع، بالنسبة لبعض هذه القوى، يشكل أداة لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية ومنع بروز تكتلات صلبة قد تهدد مصالحها الاستراتيجية.

هذا التعمد في إبقاء النزاع «مجمدًا-مشتعلًا» يعكس استراتيجية إدارة الأزمات بدلًا من حلها، حيث تفضل القوى الكبرى توظيف النزاع كورقة ضغط قابلة للاستخدام كلما دعت الحاجة، سواء لموازنة النفوذ الصيني، أو لإبطاء صعود الهند، أو لإعادة توزيع الأدوار بين الحلفاء الإقليميين.

 

شرق أوسط آسيوي جديد؟

في ظل هذه التشابكات المعقدة، تبرز جنوب آسيا كمرشح محتمل لأن تصبح “شرق أوسط جديد” حيث النزاعات المحلية تتحول إلى حروب بالوكالة، والتوترات الإقليمية تصبح انعكاسًا لصراع عمالقة عالميين.

ولا يختلف المشهد الآسيوي كثيرًا عما شهده الشرق الأوسط لعقود، حيث تحوّلت الخلافات المحلية إلى ساحات صراع للمصالح الدولية، وتمت عسكرة النزاعات، وتحوّلت الأزمات إلى فرص للاختبار العسكري والتنافس الصناعي والسياسي.

 

صراع أوسع من الجغرافيا وأعمق من الحدود

الهند وباكستان اليوم ليستا فقط طرفين في نزاع تقليدي. إنهما تمثلان جبهتين في صراع عالمي متشابك الأبعاد: اقتصادي، سياسي، ديني، عسكري، بيئي واستراتيجي. وفي سيناريو أكثر تشاؤمًا، فإن إنهيار “معاهدة مياه السند” ـ التي حافظت لعقود على استقرار نسبي في تقاسم المياه ـ قد يفتح الباب أمام نزاع طويل ذي طابع وجودي. إذ سيكون للصراع على المياه وقعٌ يتجاوز الأزمات الاقتصادية والبيئية، ليصل إلى حدود التهديد المباشر لحياة عشرات الملايين في باكستان، ويحوّل ملف المياه إلى أداة استراتيجية حاسمة في يد الهند، بما يشبه ورقة الغاز في النزاعات الأوروبية.

أما العالم، فعليه أن يعي أنَّ ما يحدث في كشمير ولاهور وكارغيل لم يعد صراع حدود، بل مؤشرًا على ولادة نظام عالمي جديد يتشكّل وسط الأزمات… نظام لن تحدده المعاهدات فقط، بل الحروب بالوكالة، التحالفات المتغيّرة، مصالح السلاح والاقتصاد والهويات المتصارعة، وحتى تغيُّر المناخ.

كتب جوزيف بوهيا في “المسيرة” ـ العدد 1765

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل