صحيفة النهار – علي حمادة
لا تأييد عربيا لإسرائيل ولا تعاطف مع إيران. هذا أقل ما يقال بالنسبة إلى الموقف العربي العام من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية. فالموقف المبدئي للدول العربية ومن بينها لبنان الرسمي دان الهجوم الإسرائيلي على إيران، من زاوية التزام القانون الدولي، وليس من باب التضامن الإقليمي أو الإسلامي! إنها الحقيقة المُرّة التي تترجم نتيجة السياسات الإيرانية في المنطقة. إنها سياسات وفق التوصيف الرسمي “مزعزعة للاستقرار”، ووفق الوصف الواقعي مدمرة للكيانات العربية في المشرق، زرعت على مدى أربعة عقود الموت والدمار والأحقاد والمذهبيات الفاقعة، والأخطر أنها زرعت وهم القضية الفلسطينية التي كانت وما زالت مطيّة لتحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية في العصر الحديث.
في لبنان نواة صلبة متعلقة بإيران من زاوية التحجر والتعصب، وأخرى من زاوية المصالح الضيقة. إنما الأكثرية الساحقة من اللبنانيين لا تأبه لإيران الحالية التي تعتبرها جزءا رئيسيا من متاعب البلاد. هذه الأكثرية لا تأبه للحرب الدائرة، وتعتبر أنها غير معنية بها وبكل ما تنتجه. تسمع المعلقين الإيرانيين المجازين من النظام في طهران يقولون إنه إذا سقطت إيران أمام أميركا وإسرائيل فإن الدور سيأتي على العرب ومن بينهم لبنان. تدير “الأذن الطرشاء”.
إن اللبنانيين بغالبيتهم الكاسحة لا يعنيهم أن تبقى طهران أسيرة النظام الحالي، أو أن تسقط بيد الرئيس دونالد ترامب. طبعا لن يفرحوا إذا انتصرت إيران خامنئي، لكنهم لن يحزنوا إذا ما هزم مع نظامه.
هذا تفكير اللبنانيين الذين سئموا خطاب الستينيات والسبعينيات. وسئموا كل ما يمت إلى هذه المرحلة التي طويت في لبنان، وقد تكون على مشارف الزوال في كل المنطقة. ومن هنا لا يتأثر الوعي اللبناني الكياني بكل الشعارات التي تطرح في سوق المزايدات وبيع الأوهام، ومحاولات التحشيد بوسائل قديمة خرجت من العقول والقلوب.
قد تنتهي الحرب الإسرائيلية – الأميركية على النظام الإيراني، ويبقى النظام متحكما في رقاب الإيرانيين. لكن الزمن لن يعود إلى الوراء. فلقد سقط النظام على مستويات أخرى غير العسكرية، كما سقطت أذرعه من العراق إلى لبنان واليمن. سقطت هيبة النظام الإيراني، وسقطت أقاليمه الثلاثة: تصدير الثورة مع الأذرع، البرنامج النووي، البرنامج الباليستي الجاري تدميره منهجيا. وبالتالي نحن أمام مرحلة تاريخية جديدة ستقطع حتى لو بقي النظام مع الحدث المفصلي الذي حصل عام ١٩٧٩بانتصار الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني. القطيعة التاريخية هي قيد الإنجاز ب ٤٦ عاما، ولا يبدو أن استماتة النظام الإيراني وتمسّكه بالسلطة سيمنعان قيام مرحلة جديدة مغايرة، وربما إيران جديدة.
أما نحن في لبنان فرجاؤنا ألا تتكرر تجربة لبنان مع الناصرية: تولي الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠ وانقطع تياره السياسي في البلد الأم، أما لبنان فبقي فيه أقله عقدين من الزمن، من يرفع راية الناصرية التي كانت اختفت في مصر!
