تختلف النظرة إلى الآخر بين مختلف اللبنانيين، لأنّ الاختلاف هو الفيصل في ما بينهم. فالفلسفة السياسية التي قامت على أسسها الفكرة اللبنانية هي هذا التنوّع في الوحدة، وهذه الوحدة في هذا التنوّع. ولا يمكن لأي لبنان أن يقوم إلا على أساس صيغة تترجم هذه الفلسفة السياسيّة عمليًّا بنظامٍ سياسيٍّ منبثقٍ من القواعد العلميّة يصون هذه الصيغة على قاعدة الحياد الايجابي الناشط الذي يحرّر كلّ مكوّن حضاري من الارتباط بمَن يشبهه خارج حدود الـ10452 كم2 .
حتّى نستطيع أن نترجم هذه المبادئ السياسيّة بطريقة علميّة وعمليّة فاعلة وفعّالة في الاستراتيجيّة البنويّة الخاصّة بالفردانيّة اللبنانيّة، يجب أن نغيّر نظرتنا بعضنا إلى بعض. فالأحلاف بين البشر غالبًا ما يتمّ نسجها على قاعدة المصالح الشخصيّة لأفرقاء التحالف. ولقد جرّبنا طوال تاريخنا السياسي في لبنان سياسة الأحلاف الدّاخليّة والخارجيّة. وهذه الطريقة ما استجرّت علينا سوى الويلات والمآسي.
في السياسة الدّاخليّة، معظم الأحلاف السياسيّة انتهت بتخاصم تحوّل أحيانًا إلى عداوة. ولنا في ذلك تفاهم معراب الذي وقّعه حزب القوّات اللبنانية بشرف مع خصمه السياسي التيار الوطني الحرّ. وسرعان ما انفرط هذا التّحالف بعدما حقّق التيار المصلحي الحرّ مصلحته بإيصال رئيسه إلى سدّة الرئاسة. فلحس الصهر توقيعه وانقلب على الحلف الذي كان من الممكن أن يشكّل رافعة للوجود المسيحي الحرّ. فتحوّل هذا التفاهم التحالفي إلى نقمة من قبل المستقلّين على أكبر حزب سياسي في لبنان. لكن سرعان ما تحقّق المسار لأنّ الناس لا زالت تملك الحكمة السياسيّة لتحاسب الذين استغلّوها. ولقد حاسبت هذه الجماهير في الانتخابات البلدية والاختياريّة. والحساب العسير سيكون حتمًا في الانتخابات النيابيّة المقبلة.
أيضًا في السياسة الدّاخليّة، لا يمكن إلا وأن نلحظ التحالف بين الثنائي الشيعي الذي تجمعه المصلحة الوجوديّة بهدف السطو على الدّولة اللبنانيّة. والأهم ترجمة هذه السطوة دستوريًّا. وهذا ما لم يتمكّن الحليفان من تحقيقه لأنّهما جوبها بمواجهة سياديّة منعت تقويضهما لسيادة الدّولة على حساب الدّويلة. وما لا يمكن إغفاله هو هذا التمازج بين العنصرين الدّاخلي والخارجي في هذا التفاهم الوجودي. ففي المرحلة الأولى كان السوري الراعي التنظيمي لهذا الثنائي ولاسيّما بعد أحداث التصادم التي جرت في أواخر ثمانينيّات القرن المنصرم بين الفريقين. وهذا ما عرف باتّفاق الشرع – ولايتي (1990) وانتهى بتقاسم النفوذ بين الضاحية والجنوب والبقاع، بعد سقوط مئات القتلى من الطرفين؛ وذلك كان بفعل تسوية سياسية – أمنية برعاية سورية مباشرة، إذ فرض النظام السوري بقيادة حافظ الأسد وقفًا لإطلاق النار وأجبر الطرفين على تقاسم النفوذ الشيعي بشكل منظم، على قاعدة:
• احتفاظ حركة أمل بالزعامة السياسية للشيعة، ممثلة برئاسة مجلس النواب.
• احتفاظ الحزب بالدور المقاوم العسكري ضد إسرائيل، وتمكينه لاحقًا من التوسّع في بيئته الحاضنة.
لكن ما لا يمكن إغفاله أنّ بعد زوال دور الراعي الاقليمي السوري والايراني، هل سيصمد هذا التحالف؟ ولا سيما أنّ القائد “الكاريزميّ” في منظمة الحزب قد سقط بالاغتيال الاسرائيلي، فيما يبقى القائد السياسي أي دولة الرئيس نبيه برّي المتحكّم بمفاصل اللعبة السياسيّة. لكن السؤال الذي يطرح ماذا بعد انتهاء هذه المرحلة؟ هل من بديل سياسي كاريزميّ؟ أعتقد أنّ المأزوميّة تقرع أبواب المكوّن الحضاري الشيعي. فهل مَن يسمع لصوت العقل اللبناني؟ أم أنّ الغرائزيّة الاثنو- ديموغرافيّة ستبقى هي المهيمنة على العقل الشيعي في المرحلة المقبلة؟
لذلك كلّه، تعلّمنا من التّجارب واتّعظنا. لا نريد حلفاء بعد اليوم، بل نريد شركاء قادرين أن يعطوا على قدر ما سيأخذون وأكثر. والهدف هو البحث عن المؤتلِف، وعملًا بمبدأ الديموقراطيّة التوافقيّة، لا تلك الديموقراطيّة التعطيليّة، يجب البحث عن صيغة سياسيّة تسمح بعيش المختلِف الحضاريّ في المؤتلِف الوطني؛ ومنطلق هذه الصيغة السياسيّة نظام سياسيّ ينبثق من الدّستور اللامركزي الموسّع بهدف تطويره لخدمة الإنسان الشريك مع أخيه الإنسان في بناء وطن يليق بتضحيات كلّ الذين سبقونا، ويكون على قدر طموحاتنا وطموحات اولادنا وأحفادنا من بعدنا. لذلك لا نريد حلفاء، بل نريد شركاء ليبقى لبنان لنا ولكلّ الذين يؤمنون بكينونته الوجوديّة.
.jpg)