.jpg)
تجد إيران نفسها اليوم، بعد سلسلة من التوترات والصراعات الإقليمية، في موقف لا تُحسد عليه، يبدو المشهد كأنها خرجت من معركة طاحنة بكيان مُنهك، فقدت فيه أجزاء حيوية من نفوذها وقوتها، فغزة ولبنان اللذان كانا يمثلان ذراعيها الممتدتين، يبدوان اليوم وكأنهما أطراف مبتورة، أما العراق، حيث كانت تملك نفوذاً كبيراً، فيبدو أن يدها قد شُلت فيه، بينما في اليمن، تعاني يدها الأخرى من عطب كبير. أما في سوريا، التي كانت تعتبر ساحتها الخلفية ونقطة ارتكاز نفوذها الإقليمي، فيبدو أنها فقدت نصف جسدها. لم يتبق من “جسد إيران” في هذه المعادلة إلا الرأس، ذلك الرأس الذي يبدو منهمكًا في كيفية الخروج من وحل الخسائر المادية والاقتصادية الفادحة، خاصة بعد ضربة موجعة للمفاعل التي كلفت مليارات الدولارات.
من منظور مصادر مقربة من الإدارة الأميركية، فإن النتائج التي خرجت بها إيران من هذه المرحلة صادمة للغاية، إذ تشير المصادر عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن طهران تكبدت خسائر مدوية على جميع الأصعدة، عسكريًا واقتصاديًا، فالأذرع التي كانت منتشرة في المنطقة، والنفوذ الذي وصل إلى سوريا، كلها أوراق كانت تمنحها قوة تفاوضية هائلة، حتى ملفها النووي، الذي كان يعتبر العمود الفقري لأوراقها التفاوضية، يبدو وكأنه فقد بريقه وأهميته في ظل هذه المستجدات.
المفارقة الكبرى، وفقًا للمصادر، هي أن إيران التي كانت تمتلك خيارات متعددة وأوراقًا قوية على طاولة المفاوضات، تجد نفسها اليوم “عارية” من كل هذه الأوراق، هذا الوضع يضعها في موقف تفاوضي ضعيف للغاية أمام واشنطن، إذ لن تملك ما يمكنها المساومة عليه أو الضغط به، وهذا ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الاتجاه نحو وقف إطلاق النار وإجبار إيران على المجيء حافية القدمين إلى طاولة المفاوضات. كما ان هذا التجريد من القوة التفاوضية قد يُجبر طهران على إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها وسياساتها الإقليمية والدولية.
من جهة أخرى، يواجه “الحزب” في لبنان مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل هويته ودوره في المنطقة، فكما خرجت إيران من حربها الأخيرة منهكة، يبدو أن “الحزب” يعاني من تداعيات مماثلة، بعد هزيمة واضحة أمام إسرائيل، وفقدانه للعديد من قياداته البارزة، إضافة إلى تعطل خط الإمداد الرئيسي عبر سوريا، يجد الحزب نفسه محاصرًا داخل لبنان، الضغوط الداخلية والخارجية تتزايد، والمطالب بتنفيذ القرارات الدولية تتراكم، لكن المعضلة الأكبر التي تؤرقه وتشكّل كابوسًا حقيقيًا هي مسألة تسليم سلاحه.
الأهم من السلاح بالنسبة للحزب، هو شريان الحياة الذي يغذيه، أي مصادر التمويل، وفي تطور لافت، وصلت رسالة إيرانية واضحة تفيد بأن طهران لم تعد قادرة على التمويل كما في السابق، ووفقاً لمصادر خاصة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، هذه الرسالة وصلت إلى الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، وتفيد بأن الأموال الآتية من إيران ستكون بمثابة مخصصات فقط لا غير، هذا يعني أنها ستقتصر على تغطية المصاريف الهيكلية للحزب والأمور البيروقراطية لا أكثر من ذلك، وهو ما يمثل تراجعًا كبيرًا عن الدعم المالي السخي الذي اعتاد عليه الحزب لسنوات طويلة.
تصف المصادر هذه الرسالة بأنها “مهمة للغاية” وجاءت في توقيت بالغ الدلالة، “اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل”، هذا التوقيت يرسل إشارة واضحة على حجم الأزمة المالية التي تعصف بإيران، خاصة وأن الحزب يكلّف طهران مبالغ طائلة، كما أن توقيت الرسالة يوحي بأن طهران ربما تكون قد وافقت على عدم دعم أذرعها في المنطقة كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وهو ما يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في سياسة إيران الإقليمية.