.jpg)
لبنان بلد لتلاقي الحضارات والشعوب. هذه المسألة ليست منّة من أحد، لا في الغرب ولا في الشرق. بل العوامل الطبيعية والتاريخية والديموغرافيّة والجيوسياسيّة هي التي أعطت لبنان هذا الدّور. والذي أبرز هذا الدور للبنان وأخرجه إلى العلن هو قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عندما أطلق على بلد الأرز لقب :” لبنان الرسالة”. فأساس الصراع بين شعوب هذه المنطقة هو صراع حضاريّ. ولم يكن يومًا صراعًا سياسيًّا تنافسيًّا. ومشكلة الشعوب العربيّة الموجودة في هذه المنطقة أنّها لم تدرك طبيعة هذا الصراع إلا بعد العام2000. لذلك، سارعت إلى اقتناص هذا الدّور. من هنا رأينا قداسة البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الدّكتور أحمد الطيب يوقّعان وثيقة الأخوّة الانسانيّة في إمارة أبو ظبي في 4 شباط 2019؛ وهذا ما يحاول الاسرائيلي القيام به اليوم بإعلانه بدء الاتفاقيات الابراهيمية. فهل خسر لبنان هذا الدّور لصالح الاسرائيلي؟ أم لا زالت هناك فرصة ليستعيد دوره الطبيعي في الشرق الأوسط؟
ولا ننسى كيف اعتبَر محور إيران في لبنان اتّفاق الترسيم البحري في 27 تشرين الأوّل 2022 انتصارًا لأنّه أطال ديمومة سيطرته على الدّولة حتّى وقوع المحظور في 8 تشرين الأوّل من العام 2023 بعد إعلان منظمة حزب الله مساندتها لحركة حماس على أثر عمليّة طوفان الأقصى. وهذا ما نقل الصراع من حالة التبريد إلى حالة السخونة القصوى. وعندها قرّر الأميركي عرّاب هذه الاتّفاقيّات في المنطقة أن يستعمل القوّة الاسرائيليّة. وهذا ما نتج عنه تغييرًا لموازين القوى، ولاسيّما مع دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض.
ولكنّ هذا المحور – المنتصر دائمًا في عزّ هزيمته- لا زال يلعب على وتر الصراعات المذهبيّة موظّفًا كلّ الحركات الإسلاميّة، ظنًّا منه أنّه قد يستطيع استعادة الدّور للإسلام السياسي الذي سقط تحت وطأة غارات الجيش الأميركي يوم 22 حزيران 2025.
فها هو اليوم يدسّ في إعلامه الأصفر خبر تلزيم لبنان إلى “سوريا الشرع”، فبسبب هيمنة الممانعة على فكر الدّولة العميقة، لن يدخل لبنان هذه الاتّفاقيّات؛ فيما الرئيس السوري بدولته الفتيّة يسارع إلى الدّخول فيها. والأدهى من ذلك أنّ بعض اللبنانيّين والسياديين منهم، يسترجعون حقبة التسعينيّات وتلزيم لبنان لحكم الأسد كجائزة ترضية على اشتراك القوات السورية في عمليّة تحرير الكويت.
هذه الأفكار لا تجوز في زمن سقط فيه المحور الايراني بأكمله في المنطقة. والدّولة السوريّة النّاشئة لن يكون لها أي دور في لبنان إلا ما تقتضيه العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدين. لأنّ سوريا اليوم ليست سوريا الأسد. ولبنان اليوم لم يعد لبنان الممانعة. والأكثر من ذلك، لهؤلاء الخائفين على حرّيّة لبنان يكفي أن نعمل معًا اليد باليد للضغط على الأمم المتّحدة من خلال عرائض نيابيّة في البرلمان اللبناني، يضاف إليها تواقيع بعض الوزراء، والجمعيّات والأحزاب المحلّيّة في لبنان المقيم ولبنان المنتشر لحثّ الأمم المتّحدة على إعلان حياد لبنان الإيجابي. ولاسيّما أنّ رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة سيكون من أوّل الدّاعمين والموقّعين، لأنّ هذه المسألة قد تبنّاها في خطاب قسمه في التاسع من كانون يوم دخل مجلس النواب وأعاد الفخامة للجمهوريّة.
زد على ذلك أنّ قطار الترسيم البرّي قد انطلق برعاية دوليّة لتنفيذ القرار 1680، وبما فيها قضيّة مزارع شبعا. ما يؤكّد أكثر أنّ الحدود الجغرافيّة ضبطت. والحدود السياسيّة تمّ ضبطها باستعاد وزارة الخارجيّة اللبنانيّة إلى الحاضنة السياديّة. وهذا ما لم يستطع الممانعون تقبّله حتّى اللحظة. لذلك، لم يسلم وزير الخارجيّة يوسف رجّي من حملات التخوين الممانِعة.
يبقى أنّ الضغط السياسي الذي يمارسه الفريق السيادي في لبنان على العهد لتنفيذ تعهّداته فيما خصّ تطبيق القرار 1559 لا بدّ وأن تؤتي بالثمار، لأنّ الرؤيويّين في البلد يتهافتون إلى تسليم أسلحتهم. فيما الذين لا يزالون في غياهب الماضي يصرّون على ألوهيّة سلاحهم الذي أكله الصدأ. لبنان لن يلزَّم لأحد. والحياد الناشط والايجابي هو الحلّ للإشكاليّة الجيوبوليتيكيّة بين لبنان وسوريا وإسرائيل. تبقى الخطوة القادمة في تنفيذ الدّستور اللامركزي وتطويره إلى ما هو أبعد بكثير من نظام إداريّ، ليجسّد طبيعة التكوين الهويّاتي المجتمعي اللبناني على اختلافه الحضاريّ في صيغة سياسيّة واضحة. عندها يستعيد لبنان دوره الريادي في المنطقة، ويعود لبنان الرّسالة ويسقط مفهوم لبنان صندوق البريد.