#dfp #adsense

مطار رينيه معوّض.. ضرورة تنموية وسيادية لا تحتمل التأجيل

حجم الخط

في ضوء إعادة إدراج ملف مطار رينيه معوض (القليعات) على جدول أعمال مجلس الوزراء وتأجيل البت به مجددًا، يُطرح الملف اليوم كمسألة مصيرية تتجاوز إطار المرافق الخدماتية، لتلامس جوهر السياسات الإنمائية والسيادية في لبنان. المعطيات الميدانية والإدارية، إلى جانب الضرورات الاقتصادية والاجتماعية، تؤكد أن مشروع هذا المطار لم يعد مجالًا للاقتراح أو المساومة، بل ضرورة وطنية عاجلة تعبّر عن لحظة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها وإعادة رسم خريطة أولوياتها.

يشكّل هذا المطار فرصة لتصحيح اختلال بنيوي في النموذج الإنمائي اللبناني، الذي قام طويلًا على تمركز الاستثمار والبنية التحتية في الوسط، وترك المناطق الطرفية، لا سيما الشمال، في دائرة التهميش الاقتصادي والإقصاء اللوجستي. اليوم، لم يعد ممكنًا استمرار سياسة الإنكار والانتظار، خصوصًا في ظل الانهيار المالي، وتفكك قطاعات النقل، وتآكل الثقة بالمؤسسات.

 

أولًا: معطيات المشروع وجاهزيته التنفيذية

مطار رينيه معوض يتمتع بمواصفات تشغيلية كاملة تؤهله ليكون مطارًا مدنيًا وتجاريًا فاعلًا. يضم مدرجًا بمواصفات تقنية ملائمة لحركة الطيران المتوسطة والبعيدة المدى، ويقع في موقع استراتيجي ملاصق لمرفأ طرابلس والطريق الدولي، ما يمنحه ميزات تنافسية على مستوى التكامل البري ـ البحري ـ الجوي. المشروع لا يحمّل الخزينة العامة أعباء إضافية في مرحلته الأولى، إذ أُنجز مخططه التوجيهي بتمويل خاص عبر شركة دار الهندسة، وشارف على الاكتمال.

وقد سبق أن أعلنت الحكومة التزامًا واضحًا بإعادة تشغيل المطار خلال فترة لا تتجاوز 12 شهرًا، ضمن شراكة مدروسة مع القطاع الخاص. ما يعني أن الانتقال من الدراسة إلى التنفيذ لا يواجه أي عائق تقني أو إداري حقيقي، بل ينتظر قرارًا سياسيًا شجاعًا وحاسمًا.

 

ثانيًا: البعد الاقتصادي والاجتماعي للمشروع

تشغيل مطار القليعات لا يشكّل فقط دعمًا لوجستيًا إضافيًا لمطار بيروت، بل نقطة ارتكاز لإعادة هيكلة الخارطة الاقتصادية للبنان. فالمطار قادر على فتح خطوط شحن وتصدير جديدة عبر الشمال، وربط المناطق الصناعية والزراعية في عكار والمنية ـ الضنية بالأسواق الإقليمية والدولية، ما ينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات والناتج المحلي.

كذلك، يعيد المشروع الحياة إلى الدورة الاقتصادية في منطقة عانت من إهمال مزمن، من خلال تفعيل قطاعات النقل، والتجارة، والسياحة، والخدمات، وتحويل الشمال من منطقة عبور مهمّشة إلى نقطة جذب حيوية. وفي السياق السياحي، من شأن المطار أن يفتح آفاقًا جديدة للسياحة الدينية والبيئية والشتوية، التي تمتلك المنطقة كامل مقوماتها، لكنها محجوبة بفعل غياب البنية التحتية.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن المشروع يحمل أثرًا مباشرًا على التماسك السكاني. عبر توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، يعزّز المطار قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، ويقلّص من معدلات النزوح والهجرة القسرية، ويعيد الثقة لدى الشباب بجدوى البقاء في مناطقهم. بهذا المعنى، لا يُنظر إلى المشروع كاستثمار تقني فقط، بل كأداة لحماية المجتمع من التفكك ومكافحة الفقر والبُطالة الهيكلية.

 

ثالثًا: البُعد السيادي والاستراتيجي

من غير المقبول استمرار واقع تمركز مرفق جوي وحيد في منطقة واحدة، بما يعرض البلاد لمخاطر تشغيلية وسيادية واضحة عند كل أزمة أمنية أو سياسية أو طبيعية. إن تشغيل مطار القليعات يضع حدًا لواقع الاحتكار المفروض على قطاع الطيران، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع فعلي للسلطات الاقتصادية والرمزية في البلاد.

وجود مطار ثانٍ ضمن إشراف الدولة الكلي يشكّل عنصر توازن استراتيجي، ويُعيد التأكيد على وحدة الجغرافيا السياسية للدولة اللبنانية، لا كأمر واقع، بل كممارسة فعلية في السيادة على الأرض. كذلك، فإن تأمين مطار بديل للطوارئ يرتبط بمنظومة الأمن القومي، ويعزّز قدرة لبنان على الصمود في مواجهة أي اختلال في وظيفته الحيوية على خريطة النقل الإقليمي.

 

رابعًا: الخطوة المطلوبة

إن ترجمة المشروع إلى واقع ملموس تتطلّب قرارًا واضحًا من مجلس الوزراء في أول جلسة مقبلة، يتضمّن إطلاق مسار تنفيذي واضح يبدأ بتشكيل لجنة وزارية ذات طابع تنفيذي، تتابع تنفيذ المشروع وتضع جدولًا زمنيًا دقيقًا لا يتجاوز ستة أشهر لإنجاز المرحلة الأولى.

بالتوازي، ينبغي فتح باب الشراكة الجدية أمام القطاع الخاص المحلي والمغترب، إضافة إلى جهات تمويلية دولية، وفق أطر شفافة تخضع لرقابة مؤسسات الدولة الرقابية والمالية. كذلك، يجب التعامل مع المشروع كأولوية وطنية فوق الاصطفافات والمصالح الموضعية، من منطلق أن المرافق السيادية ليست امتيازًا جغرافيًا، بل حقًا دستوريًا لكل منطقة في لبنان.

ختاماً، تشغيل مطار رينيه معوض ليس امتيازًا للشمال، ولا مشروعًا خدماتيًا عابرًا. بل هو محطة تأسيسية لمسار تصحيحي في إدارة الشأن العام، يمهّد لمرحلة جديدة من العدالة الإنمائية، وإعادة التوازن إلى علاقة الدولة بمواطنيها. هو أيضًا اختبار فعلي لقدرة المؤسسات على التحوّل من إدارة الأزمات إلى هندسة الحلول.

لقد استُنزف الوقت والفرص بما يكفي، وكل تأخير إضافي سيكون بمثابة قرار غير معلن باستمرار التهميش، وتعطيل الإصلاح، وتفويت فرصة تاريخية للنهوض.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل