
على الرغم من الهزيمة المُذلّة التي مُني بها النظام الإيراني أمام أعين العالم، بعد أن استهدفت إسرائيل والولايات المتحدة البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، وأوقعت خسائر بشرية وعسكرية وعلمية جسيمة، لا تزال إيران تُكابر وتمارس الإنكار، متباهية بانتصارات وهمية على خلفية عشرات الصواريخ التي سقطت في إسرائيل وتسببت بأضرار مادية فقط.
والمفارقة أن ما خسرته إسرائيل قد يُعوّض من جيوب الدول الصديقة الغنيّة، أما ما خسرته إيران فيحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة ترميمه أو بنائه، لكن الإنكار يبقى سمةً أساسية لهذا المحور “الشيطاني” الذي تتزعّمه إيران وتتبعه أذرعها العسكرية في لبنان والعراق واليمن.
ولا شكّ في أن هذا الإنكار، الذي لا تزال شعوب المحور تصدّقه، قاد إيران وميليشياتها الأساسيةـ “الحزب”، و”الحوثيين”، و”حماس”ـ إلى خسائر مدوّية لم تتوقّف حتى اليوم، نتيجة قراءات استراتيجية خاطئة بدأت في 7 تشرين الأول 2023، حيث ظنّ هذا المحور أنه يملك “قوة الردع” تجاه إسرائيل. غير أن هذه النظرية سرعان ما تهاوت، وبدأ المحور يخسر تدريجياً كل شيء.
فـ”حماس” انبهرت بساعات مفاجئة داهمت فيها غلاف غزة، فقتلت وأسرت عدداً من الإسرائيليين، وسرعان ما دُمّر القطاع بالكامل، واستطاعت إسرائيل تصفية معظم قيادات “حماس”، وعلى رأسهم يحيى السنوار، العقل المُخطّط للعملية، وقد فقد التنظيم قدرته الصاروخية، وكان سبباً في مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين، وقد يخرج من المشهد السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
في موازاة ذلك، أقحم الحوثيون أنفسهم في الصراع، وبدأوا باستهداف الممرات البحرية للتجارة العالمية، فتدخّلت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب وقلّمت أظافرهم، ما أدى إلى استسلامهم وتوقّفهم عن عمليات القرصنة في البحر الأحمر.
أما “الحزب”، فدخل الحرب في اليوم التالي بقرار إيراني، تحت عنوان “إسناد غزة”، ما ورّط لبنان في حمّام دم تسبب بمقتل الآلاف من المدنيين وعناصر “الحزب” وقادته، وصولاً إلى مقتل أمينه العام نصرالله، الذي كان يُعدّ أحد كبار قادة هذا المحور. وقد اعتبر خبراء استراتيجيون هذه الضربة كسرًا للعمود الفقري لـ”الحزب”، إذ اضطر إلى القبول باتفاق وقف إطلاق نار غير متكافئ، سمح لإسرائيل بحرية التحرك العسكري متى استشعرت خرقًا للقرار 1701، وتضمّن الاتفاق التزام “الحزب” بتسليم سلاحه جنوب الليطاني وشماله.
لكن، وكما هي عادته، بدأ “الحزب”، في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، بقراءة مجتزأة وغير واقعية لبنوده، متذاكيًا بادّعاء أنه سلّم كل مواقعه وسلاحه في الجنوب، ومعتبراً أنه غير معني بتسليم السلاح شمال الليطاني، مهدّداً كل من تسوّل له نفسه الاقتراب من سلاحه، ومُلمّحًا إلى الدولة اللبنانية والجيش والقوى السياسية المعارضة، تمامًا كما فعل بعد حرب تموز 2006.
غير أن الزمن تغيّر، وما كان صالحًا قبل 27 تشرين الثاني 2024 لم يعد كذلك بعده، وخصوصًا في ظل المشهد العسكري والسياسي الاستراتيجي الراهن. فما يقوم به “الحزب” من مماطلة مقصودة لن يعيده إلى الهيمنة على لبنان كما في السابق، وذلك لعوامل عدة، نعرضها كما يلي:
أولاً: الهجوم الإسرائيلي- الأميركي على إيران، الذي دمّر منشآتها النووية، وأدى إلى رضوخ إيراني مقنّع عبر ردّ استعراضي على قاعدة “العديد” الأميركية في قطر. هذا التطور يُمهّد لاتفاق نووي جديد مع واشنطن، ستقبل فيه إيران بشروط الأخيرة، وأبرزها: التخلي عن ترسانتها الباليستية، ووقف تمويل وتسليح أذرعها العسكرية، ولا سيما “الحزب”. وإلا، فستتعرّض لمزيد من الضربات حتى تغيير النظام بالكامل.
ثانيًا: انقطاع طريق الإمدادات عن “الحزب” بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وصعود الإسلاميين بقيادة أحمد الشرع، بدعم تركي وسعودي وانفتاح أميركي وأوروبي، ما أدّى إلى رفع العقوبات عن سوريا. الشرع لن يسمح لإيران وأذرعها بالعودة إلى الساحة السورية، بل بدأ مفاوضات مع إسرائيل قد تنتهي بتطبيع العلاقات، ما سيُطبِق الحصار على “الحزب” ويعزله ضمن بقعة انتشاره في الضاحية الجنوبية وبعلبك والجنوب، وهو يعاني ماليًا بعد ضرب مصادر تمويله، خصوصًا بعد سقوط “الوحدة 190” وانهيار شبكات تهريب الأموال، ما سيدفع بيئته إلى مزيد من التذمّر.
ثالثًا: المسار الأميركي يتّجه بوضوح نحو إنهاء الحالة المسلّحة لـ”الحزب”، بدليل حركة الموفدين الأميركيين الذين يشدّدون في كل لقاءاتهم مع رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء على ضرورة تسليم السلاح، تحت طائلة حرمان لبنان من المساعدات، والاستثمارات، وإعادة الإعمار. وهو ما يطرحه رئيس الجمهورية جوزيف عون في حواراته، وقد أكد أن مسألة سلاح “الحزب” ستُحلّ في مهلة أقصاها أواخر 2025 أو مطلع 2026.
والمفارقة أن “الحزب” لا يزال يقرأ المشهد الجيوسياسي بعيون الماضي، متجاهلاً العوامل الجديدة، بينما تتلكأ الحكومة اللبنانية في معالجة المسألة. هدف “الحزب” الظاهر هو بلوغ انتخابات ربيع 2026 وهو ما يزال يحتفظ بسلاحه، لضمان تأثيره الانتخابي، وإبقاء قبضته على البلوك الشيعي المقرّر. لكن هذا ليس إلا أمنية، إذ تواصل إسرائيل ضرباتها العسكرية بحجة تباطؤ الجيش اللبناني في ضبط الوضع جنوب الليطاني.
ورغم أن الحكومة تطالب بعد كل عملية إسرائيلية المجتمع الدولي بلجم إسرائيل وإلزامها بالانسحاب من النقاط الخمس الاستراتيجية، فإن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يرى في الضربات الإسرائيلية حقًا مشروعًا، ويجمع على مطلب واحد: سلّموا السلاح!.
لا مجال أمام “الحزب” للهروب من هذا الاستحقاق. وقد يظن أن إلحاح المجتمع الدولي سينتهي بتعب، فيعود للإمساك بقرار السلم والحرب، لكن هذا ليس سوى “حلم إبليس في الجنة. فما يقوله الدبلوماسيون حول احتمال فتور الاهتمام الدولي بلبنان، لا يعني انكفاء إسرائيل، بل تحررها من الضوابط، ما قد يؤدي إلى استهداف مباشر في عمق الضاحية وغيرها، ويهدد استقرار لبنان مجددًا، ليكون الشعب اللبناني الضحية الأولى مجددًا.
والحقيقة أنه، ما لم تتخذ الحكومة قرارًا جريئًا بمنح الجيش صلاحيات واضحة لنزع سلاح “الحزب”، فإن الجيش الإسرائيلي سيتولّى هذه المهمة بكل الوسائل، خصوصًا أن دول المنطقة تتجه بسرعة نحو اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، وفق “الاتفاقيات الابراهيمية” المعروفة.
ولا يجوز تجاهل تحذيرات مورغان أورتاغوس وتوم بارّاك للمسؤولين اللبنانيين من التراخي في نزع السلاح قبل فوات الأوان، وقد شجّعا حكومة نواف سلام على بدء محادثات مع إسرائيل بشأن الحدود، واتفاق الهدنة، واستعادة الأسرى، وربما حتى مفاوضات تطبيع وسلام.
لا يجب على أحد في لبنان أن يتوهّم بإمكان الهروب إلى الأمام. فساعة الحقيقة قد دقّت، وكل تأخير سيغرق لبنان أكثر في الدم والخراب.
ما كُتب قد كُتب بشأن محور “الممانعة”، وكل ما يحتاجه لبنان الرسمي اليوم هو قرار شجاع يُخرجه من الأسر الذي فرضه عليه “الحزب”، ويُعيد له المبادرة، لينطلق بثبات نحو الشرق الأوسط الجديد، والتقدم، والإنماء، والالتحاق بالعالم المتطوّر.
