في تطور جديد يعكس حجم التصعيد الخفي بين الولايات المتحدة وإيران، كشف مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف، أمام الكونغرس أن الضربات العسكرية الأميركية الأخيرة استهدفت بدقة مفاصل حساسة في البرنامج النووي الإيراني، مُلحقَة به أضراراً يُصنّفها “كبيرة وذات تأثير استراتيجي طويل الأمد”.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، فإن راتكليف أبلغ النواب الأميركيين أن الضربات دمّرت منشأة تحويل المعادن الوحيدة في إيران، والتي تُعد من أهم الحلقات في سلسلة إنتاج السلاح النووي، حيث تُستخدم لتحويل اليورانيوم إلى معدن يُشكل نواة القنبلة النووية. وأشار إلى أن هذا الاستهداف أدى إلى تعطيل هذه المرحلة الحيوية من البرنامج، وقد يتطلب الأمر سنوات لإعادة بنائها وتشغيلها، وفق التقديرات الاستخباراتية.
أضرار فادحة في منشآت رئيسية
وأكد راتكليف أن تقييمات الـCIA – والتي تستند إلى معلومات استخباراتية عالية الدقة، ومن ضمنها مصادر بشرية “موثوقة تاريخيًا” – كشفت أن منشآت أساسية مثل موقعي أصفهان وفوردو تعرضت لتدمير واسع، وأن كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب المدفون داخل تلك المنشآت قد أصبحت خارج الخدمة نتيجة الأضرار.
ضبابية وتشكيك… ثم تثبيت للرواية
تأتي هذه الإحاطة الاستخباراتية في ظل تباين داخلي حول حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بالبنية النووية الإيرانية. فقد صدرت في الأيام الأولى تقارير أولية تُقلّل من أهمية الأثر العسكري، ما أثار شكوكًا في أوساط بعض أعضاء الكونغرس والخبراء.
غير أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي نفذت الضربات في آخر أشهرها بالبيت الأبيض، سارعت إلى تثبيت روايتها أمام الرأي العام الأميركي والدولي. فقد خرج ترامب بتصريح ناري على قناة “فوكس نيوز”، قال فيه: “لقد تم محو برنامجهم النووي بشكل لم يسبق له مثيل… وهذا يعني نهاية طموحاتهم النووية، على الأقل لفترة من الزمن.”
وأكدت الموقف ذاته كل من مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد ووزير الخارجية ماركو روبيو، معتبرين أن الضربة شكّلت “نقطة تحوّل حاسمة” في كبح جماح المشروع النووي الإيراني.
البُعد الجيوسياسي: رسائل أبعد من طهران؟
وتحمل هذه الضربات، برأي مراقبين، رسائل مزدوجة: أولها لإيران، بأن اللعب على حافة التخصيب والمراوغة التقنية لن يُبقي منشآتها آمنة، والثاني إلى القوى الدولية المنخرطة في مفاوضات فيينا، بأن واشنطن – وإن غيّرت إدارتها – قادرة على فرض الوقائع بالقوة إذا لزم الأمر.
ويرى محللون أن استخدام “الضربة الاستخباراتية المُحكمة” يعكس استراتيجية أميركية تعتمد على التدمير النوعي بدل الشامل، ما يعني قدرة على توجيه الرسائل من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في الأفق: تصعيد أم تفاوض؟
على الرغم من أن الضربات حققت أهدافاً فنية، إلا أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني لا يزال مرهونًا بمسار التفاوض، لا سيما مع ضغوط أوروبية متزايدة لإعادة إيران إلى طاولة فيينا، وتوازن دقيق تحاول إدارة بايدن الحفاظ عليه بين الحزم والمرونة.
وفي المقابل، تلتزم طهران الصمت الإعلامي النسبي، في ظل تقارير عن تعزيز أمن المنشآت النووية ورفع حالة التأهب في محيط المواقع الاستراتيجية.
.jpg)