




ريمون سويدان، إسم من أسماء المئات ممن كتب لهم حظهم السيء أن يكونوا أسرى في سجون الأسد. كل تلك السنوات، ولا يزال سويدان يتذكر بألم مرحلة الـ27 عامًا التي قضاها في المعتقلات السورية. صحيح أنه نفض الغبار عن الماضي الأليم، متسلحًا بإيمانه الذي جعله حرًا، لكن العودة بالذاكرة الى تلك الأيام، يفتح الجروح النازفة التي لم تُشفى نهائيًا بعد.
المشكلة تكمن في أن الباب لم يُغلق بعد على ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. فلا الأمم المتحدة تمكنت من إنهاء هذا الملف وكشف مصير من لم يظهر بعد فتح السجون السورية في كانون الأول الماضي، ولا الدولة اللبنانية تابعت تفاصيل أبنائها المعتقلين في سجون الأسد، أو أقرت حقوقهم العالقة في أدراج مجلس النواب، وكأنها تخجل وتخشى من أن يزعل “الوالي”. لكن الوالي ولّى، والملف لا يزال عالقًا ومصير المئات بعدُ مجهولًا.
لكن، وبالعودة الى ذكريات تلك الأيام وتداعياتها، كيف يتذكر رئيس ملف المعتقلين في جهاز الشهداء والمصابين والأسرى، الأسير المحرر ريمون سويدان الذي كرس حياته بعد الحرية، لمتابعة ملف الأسرى والمعتقلين في السجون السورية، تلك المرحلة؟ وهل تمكن من الشفاء منها والمصالحة مع ذاته؟
1 ـ من هو ريمون سويدان؟
أنا ريمون إميل سويدان من الأشرفية، متأهل من راشيل أبي سعد، ابنة القوات اللبنانية. أشغل اليوم منصب مدير المبيعات في إحدى الشركات اللبنانية المرموقة. كنت معتقلا سابقًا، وقبل الاعتقال كنت مقاومًا في القوات اللبنانية وأفتخر جدًا بمقاومتي.
2 ـ كيف تتذكر فترة اعتقالك في السجون السورية؟
أتذكر أنها كانت فترة قاسية جدًا، وأقصى مما يمكن لأي إنسان أن يتصور، لا سيما أن أخي كان معي في الاعتقال. باختصار، كانت فترة قاسية، صعبة ومريرة.
3 ـ متى اعتقلت، وماذا كانت التهمة وبين أي سجون تنقلت؟
اعتقلت في العام 1993 على يد ضابط لبناني، بعدها اعتقلوا شقيقي. كانت التهمة الأولى التحريض ضد نظام شقيق والانقلاب على الدولة اللبنانية. بدأت المرحلة الصعبة والمريرة في البوريفاج، التقينا أخي وأنا هناك، بعدها نُقلنا الى عنجر ومن ثم الى فرع فلسطين في الشام، بعده الى الأمن العسكري ومن ثم الى المزة. كانت تلك المراحل لا تنسى… مراحل عذاب سوداء.
4 ـ ما هو أقصى وأبشع ما تعرضت له في سجون نظام الأسد؟
الكهرباء! كانوا يضعون الكهرباء في الأماكن الحساسة من جسدي، وبهذه الطريقة كانوا يعذبونني.
5 ـ متى شعرت أن الموت أفضل لك؟
فضلت الموت على الاستمرار في الحياة عندما رأيت أخي ميشال يتعذب. كنت عاجزًا عن تقديم أي مساعدة أو رفع أي ضربة عنه. وجدت نفسي معلقًا أمامه، أستمع وأراقب تعذيبهم له من دون أن أتمكن من فعل أي شيء لمساعدته.
6 ـ كم مرة اعتقدت أن حياتك ستنتهي في الاعتقال؟
منذ اليوم الأول من اعتقالي، كنت أرى بصيص النور. في كل مرة كان يفتح الباب فيها ويغلق، كنت أرى أنني سأستعيد حريتي. أعتقد أن شعوري هذا كان نابعًا من قوة إيماني.
7 ـ هل بقيت مؤمنًا بالله وأنت معتقل، وماذا كنت تقول له في لحظات ضعفك؟
بقي إيماني بالله كبيرًا جدًا، وهذا ما كان يعطيني القوة ويشجعني. أتذكر أنني كنت أصلي باستمرار. شعرت بوجود الله في حياتي وبمداواته لعذاباتي في عزّ محنتي في الاعتقال، هذا الشعور شجعني وقواني على الاستمرار. لم أتوقف يومًا عن الصلاة، وكان الله قوتي الوحيدة وشجاعتي.
8 ـ مضى على خروجك من سجون الأسد 27 عامًا، هل تمكنت من المضي قدمًا في حياتك؟
خرجت من المعتقلات السورية في العام 1998، وذلك بعد 27 عامًا من الأسر، وبعد خروجي، أرغمت على السفر من لبنان، إذ تم توقيفي بعد 12 يومًا فقط. أوقفوني ثم عادوا وأطلقوا سراحي فغادرت لبنان وقررت أن أتابع دراستي. كنت أنهيت قبل اعتقالي في سوريا، إجازتي في إدارة الاعمال من الجامعة اللبنانية، فقررت أن أتابع دراستي وأن أتخصص في الـBusiness management، فحققت ما أردت وحزت على شهادة الدراسات العليا، وأخذت عهدًا على نفسي بأن أكون الصوت الصارخ لكل رفاقي المعتقلين ولكل إنسان تعرّض لظلم نظام بشار الأسد أو لظلم السجون السورية.
9 ـ ما الذي أفقدك إياه الاعتقال؟
زادني الاعتقال إيمانًا بقضيتي وعمقني أكثر بالقضايا الإنسانية والمساعدة. تأكدت أنه في كل يوم كنا نناضل ونقاوم فيه، كنا ولا زلنا أصحاب حق. لم يكن النظام السوري يريد من يؤمن بقضية ويدافع عنها، كان يريد أزلامًا خاضعين، وهذا ما لم يجده بيننا.
10 ـ ما هو أكثر موقف محرج تعرضت له بعد خروجك من المعتقل؟
بعد أسبوع من إطلاق سراحي من السجون السورية، وفي الأحد الأول الذي قصدت فيه القداس، التقيت برفيق وصديق قديم، وعندما اقتربت لألقي التحية عليه، بادرني بالقول: “ما تسلم عليّ بتشمسني”. تفهمته، فللرجل عائلة، وربما كان خائفًا من نظام الأسد.
11 ـ ما هو أكثر موقف عاطفي عشته بعد خروجك من المعتقل؟
لقائي بأبي وأمي وأخوتي. لا أستطيع أن أصف هذا الشعور. كل المشاعر والأحاسيس تضاربت، فبعد هذا الغياب، شعور عميق بالحب، ولا شيء أعمق من هذا الحب. عائلتك الصغيرة، والدك والدتك وأخواتك، هؤلاء الذين ضحوا بكل شيء من أجل عودتنا، أخي وأنا. فعلًا هذا أعظم حب.
12 ـ لو عاد بك الزمن الى الوراء، هل تعيد حياتك ذاتها حتى لو كلفك ذلك “الاعتقال في سجون الأسد”؟
أفتخر بحياتي السابقة، فهذه التجارب عمّقت إيماني بواجباتي في الدفاع عن لبنان وجعلتني أشعر بضرورة الاستمرار في النضال من أجل كل إنسان وكل مظلوم، حتى لو كلفني ذلك حياتي. صارت هذه رسالتي وقررت المثابرة بالعمل النضالي والمقاومة حتى النفس الأخير.
13 ـ كلمة أخيرة.
لا عتب ماذا يفعل بك الغريب إذا كانت دولتك لا تهتم لأمرك ولا تحترم أبناءها. هذا ما حصل بنا. معظم السياسيين اللبنانيين الذين كانوا في السلطة كان همهم السلطة وتركوا السوري يتمادى ويتعدى على أبناء البلد. قانون التعويضات لا يزال حتى اليوم، قابعًا في مجلس النواب، ولم يتم إقراره بعد. هناك معتقلون توفوا نتيجة أمراض تعرضوا لها، لم يسأل عنهم أحد، بل كنا وبمبادرات فردية، نحاول مساعدتهم وتأمين ما يلزم لشفائهم. للأسف، لم يحمل أحد قضيتنا، باستثناء القوات اللبنانية، التي كانت ولا تزال، الحزب الوحيد الذي ساعد المعتقلين وسعى لتحسين أوضاعهم. أتمنى على العهد الجديد إعطاء المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية حقوقهم أسوة بأي لبناني يعيش في لبنان والحصول على التعويضات التي أقرت في العام 2013 والتي لا تزال نائمة في الأدراج.
