.jpg)
لبنان، بتركيبته الرئاسية الثلاثية، يجد نفسه أمام تحدٍ وجودي لا مفر منه، حيث لم يعد لديه هاجس سوى تمرير “قطوع” المطالب الملحة التي نقلها الموفد الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط توم باراك. هذه المطالب، التي فاجأت الكثيرين، وضعت الأوساط المعنية أمام مسؤولياتها، وتحولت إلى مادة دسمة تستنفر جهود المعنيين في البلاد، خصوصًا وأنها ترمي إلى إنجاز ما هو أصعب: انتزاع موقف واضح وصريح بشأن ملف سلاح “الحزب”، الذي يواجه اليوم مماطلة من “الحزب” نفسه، مما يرشح طاولة الحكومة لتوتر كبير عندما تُطرح هذه الورقة الحساسة.
وفقًا للمعلومات التي حصل عليها موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، فإن “الحزب” ليس في وارد تقديم تنازلات تتعلق بوجود سلاحه شمال الليطاني، وقد أعلن مرارًا وتكرارًا أنه غير معني بتسليم السلاح شمال النهر، وهذا ما أكده مسؤولون بارزون مثل محمود قماطي، بالإضافة إلى بيانات “الحزب”، المتكررة، والتي أكد خلالها بأنه قام بما عليه ونفذ كل ما يتعلق بوقف إطلاق النار من جهة تسليم السلاح جنوب الليطاني والانسحاب إلى ما وراءه، مما يشير إلى محاولة لترسيم خط أحمر جديد بشأن نفوذه وسلاحه.
تضيف المعلومات: “هذا الموقف المتشدد من قبل “الحزب” يضع الحكومة اللبنانية في موقف صعب للغاية، خصوصًا وأنها مطالبة بتقديم إجابة واضحة للموفد الأميركي والمجتمع الدولي، ما يطرح السؤال التالي: إلى متى يمكن للبنان أن يتحمل عبء هذا السلاح غير الشرعي في ظل الأزمات المتفاقمة التي تضرب البلاد على كل المستويات؟ فالإصرار على التمسك بالسلاح في مناطق غير خاضعة لسيطرة الدولة الكاملة يعمق من الشرخ الداخلي ويزيد من عزلة لبنان على الساحة الدولية.
ما تتزايد الخشية منه وفق المعلومات، أن يقوم رئيس مجلس النواب نبيه بري، بالعمل
على صيغة تشبه “المماطلة المبطنة ” للتعامل مع هذا الملف الحساس، والتي تهدف إلى “الأخذ والرد”، وطرح أسئلة ومطالب ليحملها باراك معه إلى
إسرائيل لطرحها هناك أيضًا. هذا التكتيك، الذي يشبه إلى حد كبير المفاوضات التي خاضتها طهران مع واشنطن، يهدف بوضوح إلى ربح الوقت لمصلحة “الحزب”، ومنحه مهلة إضافية، وبهذه الطريقة، يكون بري قد رد على الرسالة الأميركية بشكل غير مباشر، من دون تقديم التزام صريح، بينما يمهل “الحزب” مرحلة من الوقت لإعادة ترتيب أوراقه أو البحث عن مخارج أخرى.
كما في ملف السلاح، كذلك في ما يخص إقتراع المغتربين، في مشهدٍ بات مألوفًا يثير الإحباط، يعود لبنان ليُشاهد فصول مسرحية تكريس المصالح الضيقة على حساب الإرادة الشعبية. مرةً أخرى، تتكشف آليات التلاعب بالدستور والقوانين، حيث يُفصَّل التشريع على مقاس فئةٍ معينة، بينما يُهمَل كل ما لا يخدم أجندتها. لم يكن غريبًا إذًا ما حدث في الجلسة التشريعية الأخيرة برئاسة نبيه بري، فقراره بعدم إدراج اقتراح قانون “معجّل مكرر” يمنح المغتربين حق التصويت لكل المجلس النيابي لم يكن مجرد إغفال، بل هو مخالفة صريحة تشي بالكثير. هذا الإقصاء المتعمّد لم يمر مرور الكرام، فانسحاب نواب تكتل الجمهورية القوية وكتل نيابية أخرى كان صرخة احتجاج واضحة ضد استمرارية هذه الممارسات المتجذرة في أروقة السلطة، والتي تضع الديمقراطية اللبنانية على المحك.
“بالنسبة إلى ‘القوات” تقول المصادر “القواتية”: “سقوط اقتراح القانون يكون في الهيئة العامة. بالتالي، يجب أن نحترم الممارسة المؤسساتية الدستورية والأنظمة الموجودة”. وتتابع المصادر، مشددة على أن “الممارسة على قاعدة ‘أنا من يسقط القوانين’ هي أمر مخالف للدستور، وما حصل خطير للغاية”. هذه التصرفات لا تقوض الثقة في المؤسسات الدستورية فحسب، بل تهدد بتقويض أسس الديمقراطية في البلاد.
تكشف المصادر ذاتها عبر موقع “القوات” عن جوهر المشكلة، “هناك استهداف مبرمج لأصوات المغتربين، وهذا أمر مرفوض”. والسبب واضح وبسيط: “فريق الممانعة ومعه التيار الوطني الحر، يعتبرون أن اقتراع المغتربين حر وغير خاضع للترهيب المالي والسياسي، لذلك يريدون عزلهم عن لبنان”. لقد أصبح واضحًا تمامًا أن هذا الفريق على استعداد للقيام بأي شيء من أجل التعطيل. فالتاريخ يشهد لهم بأنهم أقفلوا مجلس النواب في مرات سابقة منعًا لتطبيق ما يجب أن يُطبق، خصوصًا عندما شعروا بأن تصويت المغتربين لا يصب في مصلحتهم، لذلك، عمدوا على تطبيق الاستنسابية وفقًا لما يرونه مناسبًا لهم، وهي ممارسة لا تقتصر على هذا الملف فحسب، بل يمارسونها أيضًا في ملف تسليم السلاح، حيث يتمسكون بمصالحهم الضيقة على حساب مصلحة الوطن.