بين الضغوط الدولية والتفاهمات الداخلية، يقترب لبنان من بلورة موقف رسمي تجاه الورقة الأميركية المتعلقة باتفاق وقف النار مع إسرائيل، في ظلّ مشاورات دقيقة تجري بين الرؤساء الثلاثة، وبتنسيق مع “الحزب” الذي لا يزال يربط أي التزام بمسألة السلاح بضمانات واضحة وتطبيق متوازن لبنود الاتفاق من الجانبين. ومع اقتراب زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك إلى بيروت، تتكثف الاتصالات واللجان التحضيرية لوضع مسودة الرد اللبناني، وسط سباق مع الوقت لإيجاد تسوية تحفظ تماسك الموقف الداخلي، وتراعي الهواجس الأمنية والسياسية المطروحة من مختلف الأطراف.
في هذا السياق، كشفت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” عن ان هناك رغبة رسمية جامعة في ان يأتي الرد اللبناني على الورقة الاميركية، متناسقاً ومن دون اية تباينات، ولذلك العمل قائم على صدور هذا الموقف من خلال مجلس الوزراء بعد ان يسبق ذلك مجموعة تفاصيل تدرج في الورقة، وتقر في الحكومة مع افضلية ان ترتدي طابعاً تفصيلياً في شأن حصرية السلاح، وقالت إن العمل جارٍ لتضييق الهواجس وتفادي اي تباين حتى داخل الحكومة، معلنة ان الاشكالية الوحيدة التي يعمل على معالجتها هي السير بالخطوات المطلوبة بشكل متوازن، والمقصود هنا من قبل اسرائيل، وكذلك من قبل “الحزب”.
بحسب معلومات “اللواء” تجري المناقشات بتكتم شديد، ولم ينته الرد بعد، لا سيما في ضوء انتظار الرئيس بري موقف “الحزب”، الذي كما كشفت “اللواء” لديه مقاربة مختلفة عن المطروح، وربط مصير سلاحه بالتوصل الى استراتيجية دفاعية حقيقية، وأن لا ضرورة لاستعجال سحب ورقة القوة من يد لبنان، قبل إلزام اسرائيل بتطبيق الجانب المتعلق بها في اتفاق وقف النار، والانسحاب من النقاط الخمس ووقف الاعتداءات، وتثبيت الحدود البرية، وإطلاق الاسرى، فضلاً عن موضوع اعادة الاعمار.
في سياق متصل، تحدثت معلومات عن ان الرئيسين عون وسلام يعملان للضغط على اسرائيل لتطبيق وقف النار، وتسهيل انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية ومنع المظاهر المسلحة. حسب المصادر المطلعة فإن انجاز الرد اللبناني لن يتأخر، وقد ينجز خلال ايام قليلة، ويتناول اموراً تقنية وسياسية وعسكرية وامنية.
كشفت مصادر لبنانية لـ”الشرق الأوسط” أن الرؤساء الثلاثة قطعوا شوطاً استعداداً للقاء السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا توم برّاك في زيارته الثانية لبيروت، والمتوقعة قبل العاشر من تموز المقبل. ويعتزم الرؤساء مناقشة برّاك في مضامين الإجابة الأولية عن الأفكار التي طرحها في زيارته الأولى لمساعدة لبنان في وضع آلية متكاملة لتطبيق اتفاق وقف النار، وركيزته الأساسية حصرية السلاح بيد الدولة، على أمل أن يسبق لقاءاته توصل رئيس البرلمان نبيه بري إلى إقناع حليفه “الحزب” بتبنيها، شرط أن تتوافر الضمانات الأميركية لتأمين التطبيق على مراحل بالتوازي مع إلزام إسرائيل بتبادل البرمجة لتنفيذها.
أكدت المصادر أن لجنة موسعة تضم ممثلين للرؤساء الثلاثة أُوكل إليها وضع مسودة أولية تشكل الإطار التنفيذي للإجابة عن الأفكار التي طرحها برّاك.
لفتت المصادر لـ”الشرق الأوسط” إلى أن اللجنة عقدت اجتماعاً مطولاً في القصر الجمهوري في بعبدا، انتهى إلى توافق أعضائها بالإجماع على مشروع المسودة الأولية التي أعدوها، وقوبلت بتأييد الرؤساء الثلاثة. وكانت المسودة موضع نقاش بين الرئيس بري وقيادة “الحزب” مع أن الأحاديث التي أدلى بها أخيراً أمينه العام الشيخ نعيم قاسم تركت جملة من التساؤلات حول مدى استعداده للانخراط في التسوية الأولية التي أعدتها اللجنة. وتقضي التسوية لوضع آلية لتطبيق اتفاق وقف النار التي لا يمكن أن ترى النور ما لم تُدعّم بضمانات أميركية بإلزام إسرائيل التقيُّد بها، بخلاف تمرّدها على تطبيق الاتفاق الذي التزم لبنان بحرفيته، وكانت رعته الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا من دون أن تُلزما إسرائيل بموقف مماثل بتأييدهما مطالبتها بنزع سلاح “الحزب” وحصريته بيد الدولة.
على الصعيد السياسي، كشفت المصادر لـ”الشرق الأوسط” عن أن ضيق عامل الوقت لا يسمح لقيادة “الحزب” بعدم حسم موقفها، لأن واشنطن، بلسان برّاك، تلح على لبنان للإسراع بإعلان موافقته الرسمية على حصرية السلاح، مع أنه في زيارته الأولى لم يطالب بجدول زمني لسحب سلاح “الحزب”، لكن عدم تحديده لا يعني أن الفرصة مديدة أمام الحزب لحسم قراره.
قالت المصادر نفسها إن برّاك حذر في لقاءاته من تفويت الفرصة المتاحة للبنان لبسط سيادته على كل أراضيه، ونقلت عنه قوله إن التردد ليس لمصلحته، ولا يضمن إلزام إسرائيل بعدم توسيع الحرب. وأكدت أن لبنان يقترح في المقابل استعداد واشنطن، فعلاً لا قولاً، للضغط على إسرائيل للتوصل لوقف النار، ولو موقتاً، إفساحاً في المجال أمام لبنان لتنقية الأجواء، وتبديد ما لدى “الحزب” من مخاوف للدخول في مفاوضات يرعاها برّاك، وتؤدي حتماً للإجماع على حصرية السلاح، لأنه من غير الجائز أن تجرى المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار.
أخيراً، اعتبرت مصادر عليمة لـ”نداء الوطن” أن “الكلام عن اجتماع مندوبي الرؤساء ثم تجرى مناقشة “الحزب” وانتظار ردوده هو تسويف وتضييع للوقت، لأن الرئيس بري هو الأخ الاكبر، وأن عدم التقيد بالمهلة الزمنية المحددة ليس في مصلحة لبنان”. ولفتت إلى أن “الحزب” يستوضح عن الإعمار والانسحاب لجدولة سلاحه. وترى أوساط رئاسية أن تطورًا حصل في موقف “الحزب” غير مسبوق ما جعله للمرة الأولى يوافق على وصول ملف السلاح إلى مجلس الوزراء قريبًا بالرغم من كل مواقفه المعلنة الرافضة لذلك.
