في مشهدٍ بات مألوفًا يثير الإحباط، يعود لبنان ليُشاهد فصول مسرحية تكريس المصالح الضيقة على حساب الإرادة الشعبية. مرةً أخرى، تتكشف آليات التلاعب بالدستور والقوانين، حيث يُفصَّل التشريع على مقاس فئةٍ معينة، بينما يُهمَل كل ما لا يخدم أجندتها. لم يكن غريبًا إذًا ما حدث في الجلسة التشريعية الأخيرة برئاسة نبيه بري، فقراره بعدم إدراج اقتراح قانون “معجّل مكرر” يمنح المغتربين حق التصويت لكل المجلس النيابي لم يكن مجرد إغفال، بل هو مخالفة صريحة تشي بالكثير. هذا الإقصاء المتعمّد لم يمر مرور الكرام، فانسحاب نواب تكتل الجمهورية القوية وكتل نيابية أخرى كان صرخة احتجاج واضحة ضد استمرارية هذه الممارسات المتجذرة في أروقة السلطة، والتي تضع الديمقراطية اللبنانية على المحك.
ترى مصادر “قواتية”، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن ما حدث في الجلسة التشريعية يُعد “مشكلة كبيرة”، وأن تداعياته تتجاوز مجرد نظام البرلمان. فالأمر خطير جدًا، خصوصاً وأن القانون المطروح هو “معجل مكرر”، وبالتالي لا يحق لرئيس مجلس النواب إسقاط هذه الصفة عنه. وما يزيد الطين بلّة هو أن اقتراح القانون هذا موقع من قبل 70 نائبًا، وهو عدد كبير يعكس إرادة نيابية واسعة. هنا، تتجلى مخالفة واضحة في السياق وممارسة مجلسية مرفوضة تدعو إلى التساؤل عن مدى احترام الأصول الدستورية والبرلمانية في لبنان.
تضيف المصادر ذاتها: “بالنسبة إلى ‘القوات’ سقوط اقتراح القانون يكون في الهيئة العامة. بالتالي، يجب أن نحترم الممارسة المؤسساتية الدستورية والأنظمة الموجودة”. وتشدد، على أن “الممارسة على قاعدة ‘أنا من يسقط القوانين’ هو أمر مخالف للدستور، وما حصل خطير للغاية. هذه التصرفات لا تقوض الثقة في المؤسسات الدستورية فحسب، بل تهدد بتقويض أسس الديمقراطية في البلاد”.
تتابع المصادر: “هناك استهداف مبرمج لأصوات المغتربين، وهذا أمر مرفوض”. والسبب واضح وبسيط: “فريق الممانعة ومعه التيار الوطني الحر، يعتبرون أن اقتراع المغتربين حر وغير خاضع للترهيب المالي والسياسي، لذلك يريدون عزلهم عن لبنان”. لقد أصبح واضحًا تمامًا أن هذا الفريق على استعداد للقيام بأي شيء من أجل التعطيل. فالتاريخ يشهد لهم بأنهم أقفلوا مجلس النواب في مرات سابقة منعًا لتطبيق ما يجب أن يُطبَّق، خصوصًا عندما شعروا بأن تصويت المغتربين لا يصبُّ في مصلحتهم، لذلك، عمدوا إلى تطبيق الاستنسابية وفقًا لما يرونه مناسبًا لهم، وهي ممارسة لا تقتصر على هذا الملف فحسب، بل يمارسونها أيضًا في ملف تسليم السلاح، حيث يتمسكون بمصالحهم الضيقة على حساب مصلحة الوطن.
تقول المصادر القواتية: “أما نحن كقوات لبنانية، فنقوم بما يناسب لبنان ومصلحته ومصلحة المغتربين”، وتؤكد أنه من الواضح أن هذا الفريق الذي فقد قدرته على التحكم من خلال السلاح، بات يريد أن يضع لبنان واللبنانيين أمام خيارين: إما الفوضى الدستورية النظامية التي تُطيح بكل الأصول، أو مصادرة أصوات الاغتراب؛ كل ذلك لأنهم يخشون من النتائج في صناديق الاقتراع.
.jpg)