لطالما شكَّل احتكار الدولة للكثير من الخدمات العامة، خصوصاً في السنوات الماضية، باباً عريضاً للهدر والفساد والمحاصصة والمحسوبيات وانعدام الكفاءة وحشو الإدارات بالأزلام لمصالح سياسية، مقابل أسوأ خدمة بأغلى الأسعار والفواتير مقارنة مع سائر دول العالم. ولا نتحدث هنا عن العالم المتقدم الذي بات يسبق لبنان بمسافات ضوئية، بل حتى في “أضعف” البلدان النامية أو التي تُصنَّف ضمن دول العالم الثالث.
الكهرباء والاتصالات أبرز قطاعين يعاني منهما المواطن اللبناني منذ سنوات، بأسوأ خدمة وأغلى فواتير. لكن يبدو أن ثمة نهجاً جديداً مختلفاً في وزارة الطاقة والمياه عن السنوات الماضية، يرتكز على نقطة أساسية مفصلية لتطوير قطاع الكهرباء، من باب العمل الحثيث على تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء التي طال انتظارها وتعرقلت لأهداف سياسية، ما يعني، توسيع الباب أمام الاستثمارات القادمة من القطاع الخاص، وبالنتيجة وقف الاحتكار وإتاحة المنافسة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين الخدمة وخفض الفواتير على المستهلكين.
هذه الحقائق الاقتصادية باتت راسخة في عالمنا اليوم في غالبية دول العالم، التي تسعى لجذب أكبر عدد من الاستثمارات من القطاع الخاص ورفع مستوى نمو اقتصاداتها. ومن النادر أن نجد خبيراً أو متخصصاً في عالم الاقتصاد والمال، لا يدعو إلى كسر احتكار الدولة للخدمات العامة، خصوصاً حين تُثبت الدولة على مدى سنوات طويلة أنها “ربّ عمل فاشل”، من دون أن يعني ذلك عدم بقاء الأمور تحت إشراف الدولة ومراقبتها وسهرها على تطبيق القوانين المرعية، ووضع ما يلزم من قوانين تصبّ في تأمين أفضل خدمة للمواطن بأسعار مناسبة.
من بين المتخصصين الذين يدعون لكسر احتكار الدولة للخدمات العامة وإشراك القطاع الخاص في هذه العملية، يبرز رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك مارديني، الذي يشدد دائماً على ضرورة كسر الاحتكارات في قطاعي الكهرباء والاتصالات، بهدف تأمين خدمات أفضل للمستهلكين وبأسعار مناسبة أكثر. ففي الكهرباء، وفي مختلف دول العالم وأينما ذهبنا، نجد أن هناك تعدداً على صعيد مقدّمي خدمات الكهرباء، بحيث بات الاحتكار في هذا المجال من الماضي.
مارديني يشير، إلى أنه في معظم الدول هناك عشرات الشركات من مقدّمي الخدمات في قطاع الكهرباء، تتنافس في ما بينها للفوز بالمستهلكين، إلى حدِّ الاتصال بهم والتواصل المباشر معهم لتسأل عن مصدر حصولهم على الكهرباء، وتقدّم عروضاً و” package” وإغراءات للمستهلكين كي يحصلوا على الكهرباء من هذه الشركة أو تلك بدلاً من مقدّم خدمة الكهرباء الذي التي يتعاملون معه.
كما يؤكد مارديني، أن هذه المنافسة بين شركات مقدّمي خدمات الكهرباء تصبّ في مصلحة المستهلك في النهاية، إن كان لناحية الخدمة ونوعيتها أو لناحية السعر وفاتورة الكهرباء. بالتالي، الأساس هو تعدد مقدّمي خدمات الكهرباء.
اللافت ما يقوله مارديني بشأن دور وزارة الطاقة والمياه في هذا المجال، إذ يرى أن وزارة الطاقة والمياه تقوم بعمل حثيث حالياً من خلال موضوع تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في لبنان الذي وُضع على السكة، مشدداً على أن المهمة الأساس للهيئة الناظمة هي جذب الاستثمارات من القطاع الخاص إلى قطاع الكهرباء، من خلال شركات خاصة تُنتج الكهرباء، وشركات أخرى تتولى توزيع التيار الكهربائي على المستهلكين، وسوى ذلك.
مارديني يوضح، أنه في هذه الحالة يتاح للمواطن اللبناني أن يختار الشركة التي يريد الحصول على الكهرباء من خلالها، بأفضل خدمة وأفضل سعر، نتيجة المنافسة بين هذه الشركات، بدل أن يكون محكوماً بشركة واحدة “تتمقطع” به على كيفها، وتقطع الكهرباء 20 ساعة في اليوم، مع فواتير مرتفعة حتى ولو لم يستهلك المواطن الكثير من الكهرباء، ونبقى على هذه الحال. بالتالي، يجب الخروج من هذا النظام المعتمد والذي يقضي بأن هناك شركة واحدة تتحكم برقاب المواطنين، أكان في الكهرباء أو غيرها.
الأمر ذاته يسري في قطاع الاتصالات أيضاً، بالنسبة لمارديني، إذ يلفت إلى أن قطاع الاتصالات مملوك من الدولة اللبنانية فعلياً وهي قامت بتلزيم شركتين لتسيير أمور القطاع بدلاً عنها. لكن في الواقع، هاتان الشركتان تقيمان ما يشبه الكارتل في ما بينهما، هما متفقتان على تسعيرة واحدة تقريباً فيما نوعية الاتصالات سيئة، لكن الأمر لا يقتصر فقط على شركتي الخليوي.
كما يشير في هذا الإطار، إلى أنه في مجال الانترنت، أوجيرو لديها احتكار على الانترنت في لبنان، على استيراد ساعات الانترنت من الخارج. أوجيرو هي الوحيدة المخوّلة استيراد الساعات، وكل شركات الانترنت في لبنان تأخذ من أوجيرو وتبيع الناس، بالتالي هناك شركة واحدة تحتكر الانترنت في لبنان.
مارتيني يؤكد، أنه يجب تفكيك كل هذه الاحتكارات، ففي لبنان أفضل الجامعات التي يتخرّج من صفوفها أفضل المهندسين، لكنهم للأسف يغادرون إلى الخارج حيث يقومون بإنشاء أهم الشركات في مجال التكنولوجيا، في دول الخليج ومصر وصولاً إلى أوروبا وأميركا، إلا في لبنان، حيث لا يمكنهم إنشاء شركة والمنافسة، لأن لا إنترنت جيد فكيف يعملون؟.
بالإضافة إلى ذلك، وبحسب مارديني، هناك الكثير من اللبنانيين ممّن غادروا مضطرين، يتمنّون العودة إلى لبنان والجلوس في منازلهم أو مكاتبهم على الكومبيوتر ومتابعة أعمال شركاتهم في الخارج، أو حتى تقديم خبراتهم وخدماتهم لغير شركات في الخارج بمقابل مغرٍ، هؤلاء إن عادوا سيستهلكون في لبنان ويحرّكون العجلة الاقتصادية، لكن لا إنترنت موثوق في لبنان كي يتمكنوا من عقد اجتماعات والتواصل بشكل جيد، أكان مع موظفيهم أو مع الشركات الأخرى في الخارج. بالتالي، يجب كسر مفهوم الاحتكار في لبنان وفتح باب المنافسة الشفافة بالشروط المطلوبة على مصراعيه، إن كنا نريد خدمة أفضل بأسعار تنافسية أفضل.

