
لم يعد ما يواجهه لبنان اليوم أزمة عابرة أو محطة من محطات الاشتباك السياسي، بل اختبارًا وجوديًا لمفهوم الدولة نفسها. فالمعادلة تغيّرت: العالم يتحرّك، والمنطقة تعيد صياغة توازناتها، ولبنان مهدد بالبقاء خارج اللعبة، على هامش النظامين العربي والدولي، إذا لم يُحسم خياره بوضوح. في ظل هذا المشهد، لم تعد المناورة ممكنة. إما أن تتقدّم الدولة وتستعيد المبادرة، أو يستمر الانحدار تحت وطأة سلاح منفلت ومنظومة فقدت الشرعية. القرار المطلوب اليوم ليس مساومة، بل مصارحة وطنية تعيد تأسيس العقد الاجتماعي على قاعدة السيادة والمؤسسات، لا على الخوف والشلل والارتهان.
الخطة الأميركية.. ما بين الإعمار والسيادة
الخطة الأميركية التي طُرحت أمام المسؤولين اللبنانيين ليست مجرد مبادرة دبلوماسية ظرفية، بل تُجسّد خارطة طريق متكاملة تحمل أبعادًا سيادية، اقتصادية، وسياسية عميقة. فهي تسعى إلى معالجة جوهر الأزمة اللبنانية من خلال مقاربة شاملة تربط بين نزع السلاح غير الشرعي، وترسيخ منطق الدولة ومؤسساتها، وإعادة تصويب العلاقة مع الجوار السوري على أسس سيادية واضحة، بالتوازي مع فتح أبواب الدعم المالي والاستثماري الدولي المشروط بتطبيق هذه الرؤية.
هذه الخطة، وإن جاءت في سياق ضغوط إقليمية ودولية، إلا أنها تتقاطع جوهريًا مع مطالب غالبية اللبنانيين الذين أنهكتهم منظومة السلاح والشلل، ويرون في هذا المسار فرصة تاريخية لفكّ الحصار الداخلي عن الدولة، ولربط السيادة بالتنمية، لا بالارتهان والتوازنات الهشة.
مواقف الداخل: تصدع الإجماع وتكريس الانقسام
تباينت المواقف السياسية حيال الخطة الأميركية بشكل حاد، بما يعكس عمق الانقسام الداخلي حول الخيارات المصيرية. “الحزب” رفض الطرح بشكل قاطع، معتبرًا إياه مسًّا بما يسميه “كرامة المقاومة” ومحاولة لتفكيك ما يسوّقه كـ”معادلة قوّة وطنية”. لكنه في الواقع لا يزال يراهن على عامل الوقت، ويسعى إلى تمييع المطالب الجوهرية عبر طرح عناوين جانبية ومحاولة إغراق الدولة بسيل من الشروط التي تجاوزها الزمن. على الرغم من إدراكه لتراجع موقعه داخليًا وخارجيًا، يواصل اعتماد أسلوب العرقلة المحدودة التي، إذا ما استمرت، قد تجرّ البلاد نحو مأزق وجودي يعصف بكيان الدولة.
في المقابل، تَظهر القوى السيادية وعلى رأسها “القوات اللبنانية” منسجمة مع جوهر المبادرة الدولية، معتبرة أنها تتقاطع مع مطلب وطني واضح: حصر السلاح بيد الدولة ضمن خطة زمنية محددة، من دون ذرائع أو تأجيل، لأن أي مماطلة إضافية ستُعمّق الانهيار وتُمدّد عمر الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أما رئاسة الجمهورية، فعلى الرغم من مركزية دورها، فإنها لا تزال تفتقر إلى وضوح الموقف، ولم تُصارح اللبنانيين برؤية متكاملة تحدد مسارها في هذه اللحظة المصيرية، ما يطرح تساؤلات حول موقعها الحقيقي في الصراع السيادي القائم. في حين تعيش الحكومة حالة من التردد والانقسام، وسط غياب قرار موحّد بين وزراء يميلون إلى قبول المبادرة الدولية كفرصة إنقاذ، وآخرين يتحفّظون بحجج لا تصمد أمام واقع الانهيار المتسارع.
الاقتصاد والسيادة: معركة واحدة لا تتجزأ
الرد اللبناني المرتقب على المبادرة الأميركية يتجاوز كونه موقفًا دفاعيًا مرتبطًا بالسلاح، ليمس جوهر المعادلة الاقتصادية والسيادية في آنٍ معًا. فخلف هذا الطرح تكمن استحقاقات مصيرية تتعلق بمستقبل المساعدات الدولية للإعمار، وبتدفّق الاستثمارات، وبإمكانية إطلاق إصلاح نقدي فعلي يُعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وفي ظل الانهيار المتواصل، بات من الواضح أن لا إعادة هيكلة للقطاع المصرفي من دون غطاء سياسي سيادي، ولا نهوض بالقطاعات الحيوية من دون التزام إصلاحي يواكبه دعم خارجي مباشر، ولا قدرة على مكافحة الفساد في ظل دولة مُخترقة ومُكبّلة بمنظومة سلاح تُرهب القضاء وتكمّم الإعلام. من هنا، فإن القرار المنتظر لم يعد محصورًا في المساحة الأمنية، بل بات قرارًا وطنيًا شاملًا يطال حياة اللبنانيين من أبسط مقومات العيش وصولًا إلى السيادة نفسها.
“الحزب” وتكتيك التخويف.. صناعة الخطر لابتزاز الداخل
في مواجهة الطرح الدولي المتصاعد، يعيد “الحزب” استخدام أدواته التقليدية القائمة على التخويف الممنهج والتلاعب بالوعي الجماعي، مستهدفًا بالدرجة الأولى بيئته الداخلية، ثم الرأي العام الوطني الأوسع. إذ يروّج لروايات أمنية مشوّهة توحي بخطر انتقامي داهم من خلف الحدود في حال فُرضت تسوية تؤدي إلى نزع سلاحه، ويُغرق الفضاء الإعلامي بحملات مدروسة تتلاعب بالصور والمصطلحات لإثارة الهلع، مُلمّحًا إلى احتمال تعرّض الطائفة الشيعية لمجازر أو تصفيات جماعية. هذا الخطاب المُضلل، الموجّه بدقة، لا يهدف فقط إلى بث الرعب، بل إلى تجميد أي دينامية داخلية تطالب بإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة على أساس السيادة والمساواة.
ما يقوم به “الحزب” اليوم هو محاولة خطرة لتثبيت معادلة زائفة: إمّا السلاح، وإمّا الإبادة. وهو بذلك لا يدافع عن طائفة، بل عن امتيازات منظومة، يدرك تمامًا أن سلاحها لم يعد محلّ إجماع، وأن استمراره بات عبئًا على الجميع، بمن فيهم من يدّعي حمايتهم. غير أن الواقع اللبناني، اليوم، أكثر وعيًا من أن يقع في فخ هذه الروايات. فالمطلب لم يعد سياسيًا فحسب، بل وطنيًا شاملًا: أن تتحرر الدولة من أي سلاح خارج شرعيتها، وأن يطمأن المواطن، أيًّا كانت طائفته، بأن حمايته مسؤولية مؤسسات رسمية، لا جماعات مسلّحة تستثمر بالخوف.
والأخطر أن “الحزب”، بعدما استُهلكت سرديّته التقليدية عن “المقاومة”، ولم يعد سلاحه مقنعًا حتى داخل بيئته التي بدأت تُظهر تململًا متزايدًا من الكلفة الاقتصادية والسياسية لهذا الخيار، انتقل إلى صياغة سردية جديدة تقوم على الخوف. لا سردية الإنجاز، بل سردية البقاء بالتهديد. وهنا تتضح محاولاته لإقناع مجتمعه بأن نزع السلاح هو خطر وجودي عليهم، لا بداية الدولة. وهو تكتيك دفاعي يعكس ارتباكًا استراتيجيًا أكثر مما يعكس مشروعًا وطنيًا حقيقيًا.
المؤسسات أمام امتحان التاريخ
تقف مؤسسات الدولة اللبنانية أمام لحظة مفصلية لا تحتمل المراوغة أو الحسابات الضيقة. فالمسألة لم تعد ترفًا سياسيًا أو جدلًا نظريًا حول أولوية السلاح والدولة، بل باتت تتعلق بمصير الكيان نفسه، وبموقع لبنان من النظامين الإقليمي والدولي. إن استمرار الانكفاء الرسمي، والتردد في اتخاذ موقف حاسم تجاه سلاح خارج الشرعية، يضع البلاد على حافة الذوبان الكامل في مستنقع الهيمنة التي يفرضها “الحزب”، ويُكرّس واقعًا شاذًا يعزل لبنان عن التحولات الكبرى الجارية في المنطقة.
المعادلة باتت واضحة: إما أن تبادر الدولة – بكامل مؤسساتها – إلى تحمّل مسؤولياتها التاريخية، وتُصارح اللبنانيين بالحقيقة، وتضع خارطة إنقاذ فعلية تُعيد الاعتبار للشرعية، وإما أن تستمر في حالة الشلل التي تُهدر ما تبقّى من ثقة، وتُفقد اللبنانيين الأمل في إمكانية قيام دولة طبيعية.
اللبنانيون بدأوا يرفعون الصوت، لكنهم في الوقت نفسه باتوا يلامسون حافة اليأس. وفي لحظة كهذه، لا يكفي الانتظار أو الاكتفاء بردود الأفعال. المطلوب هو قرار استباقي يعيد تموضع لبنان داخل النظام العربي والدولي، بدل تركه يتآكل على هامش الخرائط الجديدة. فالعالم يتحرّك، والمنطقة تُعاد صياغتها، والدول التي لا تحدد موقعها بوضوح ستُقصى وتُهمّش.
وما يُضاعف الإشارة إلى خطورة هذا التباطؤ في الحسم هو موقف دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي وعلى الرغم من دعمها الواضح للعهد الجديد في بدايته، لم تجد في المسار اللبناني ما يستحق المجازفة الكاملة، لا سيما في ظل بطء الإصلاحات، والغموض الواضح في ملف السلاح غير الشرعي. وقد أدى هذا التردد الرسمي إلى تجميد فعلي للاتفاقيات التي طُرحت خلال الأشهر الماضية، ما يُثبت أن استعادة الثقة العربية والدولية بلبنان مشروطة بإجراءات فعلية لا بمواقف لفظية. فالدولة لا تُبنى بالإشارات الرمزية، بل بالقرارات الواضحة، خصوصًا حين يكون أمن الخليج واستقراره مرتبطًا مباشرة باستقرار لبنان وخروجه من قبضة المحاور المسلحة.
على الدولة أن تحسم. أن تختار. وأن تتحرّر من صمتها المدوي. لأن ما على المحك اليوم لم يعد فقط مستقبل حكومة أو توازنات طائفية، بل بقاء لبنان كدولة ذات سيادة، لا كمجرّد ساحة مستباحة بمفردات السلاح والتخويف والمراوحة القاتلة.
القرار لا يُصنع بالخوف بل بالإرادة
الخوف لم يكن يومًا أساسًا لبناء الأوطان، ولا التردد كان يومًا حارسًا للكرامة الوطنية. ما يحمي لبنان حقًا ليس فائض القوة في يد جماعة، بل صلابة الدولة ومؤسساتها، وهيبة الدستور، وإجماع المواطنين على مشروع سيادي جامع. نحن أمام لحظة لا تحتمل المواربة، لحظة تفرض مصارحة لا مجاملة، وحسمًا لا انتظار.
القرار المطلوب اليوم لا ينبغي أن يكون استجابة لضغط خارجي، بل تعبيرًا صريحًا عن إرادة داخلية تتوق إلى الخلاص. إنها معركة من أجل السلم الحقيقي، لا منطق الاستسلام، ومن أجل إعادة بناء الدولة، لا التكيّف مع واقع مشوّه يُكرّس الانقسام والانهيار. لقد آن أوان اتخاذ القرار الكبير، القرار الذي يعيد لبنان إلى ذاته، وإلى موقعه الطبيعي كدولة كاملة العضوية في منطق السيادة، لا كمنطقة رمادية على هامش التاريخ والجغرافيا.