أعلنت وزارة الخارجية السورية استعداد دمشق للتعاون مع واشنطن بهدف العودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، في تطور دبلوماسي يعيد إلى الواجهة واحدة من أبرز الاتفاقيات العسكرية التي أعقبت حرب تشرين الأول 1973. تعود جذور اتفاق فضّ الاشتباك إلى حرب السادس من تشرين الأول 1973، حين شنت مصر وسوريا هجومًا مشتركًا ضد إسرائيل لاستعادة أراضٍ احتلتها الأخيرة في حرب عام 1967. فبينما ركزت مصر على استعادة سيناء، كانت سوريا تهدف إلى تحرير مرتفعات الجولان.
انتهت العمليات العسكرية بإعلان وقف إطلاق النار في 24 تشرين الأول، لتبدأ مرحلة جديدة من المفاوضات السياسية. وفي 31 أيار 1974، وُقّع اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل بوساطة وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر، خلال مفاوضات احتضنتها واشنطن ثم جنيف، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، والأمم المتحدة.
مضمون الاتفاقية
يتألف الاتفاق من قسمين رئيسيين:
الأول: يتناول آلية فض الاشتباك بين الجيشين.
الثاني: بروتوكول عمل قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، التي أنشئت خصيصاً للإشراف على تنفيذ الاتفاق.
أبرز البنود التي تضمنها الاتفاق:
وقف إطلاق النار الكامل بين الطرفين، تماشياً مع القرار 338 الصادر عن مجلس الأمن عام 1973.
فصل القوات على الجبهتين وفق خطين:
خط “أ” يفصل القوات الإسرائيلية إلى الغرب.
خط “ب” يفصل القوات السورية إلى الشرق.
المنطقة الواقعة بين الخطين تُعتبر منطقة عازلة تخضع لرقابة الأمم المتحدة.
عودة المدنيين السوريين إلى الأراضي الواقعة شرق الخط “أ”، لا سيما مدينة القنيطرة.
منطقة خالية من الوجود العسكري بين خط “أ” وخط “أ-1”.
تبادل أسرى الحرب خلال 24 ساعة من توقيع الاتفاق.
تسليم جثامين الجنود خلال 10 أيام.
التأكيد على أن الاتفاقية ليست اتفاق سلام شامل، بل تمثل خطوة نحو تسوية دائمة وفق القرار 338.
المنطقة العازلة
تمتد المنطقة العازلة التي تشرف عليها “الأندوف” بطول 80 كيلومتراً، ويتراوح عرضها ما بين 500 متر و10 كيلومترات، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 235 كيلومتراً مربعاً.
تقع المنطقة على ما يُعرف بـ”الخط البنفسجي”، وهو خط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، وتجاور حدود لبنان شمالاً، فيما لا تبعد عن الحدود الأردنية جنوبًا سوى كيلومتر واحد.
الانهيار الإسرائيلي للاتفاق عام 2024
على الرغم من صمود الاتفاقية لأكثر من خمسة عقود، إلا أن إسرائيل أعلنت رسميًا في 8 كانون الأول 2024، انسحابها من الاتفاقية واحتلالها منطقة جبل الشيخ والمنطقة العازلة.
وبررت تل أبيب هذه الخطوة بالوضع الأمني المتدهور في سوريا، مع انهيار نظام الرئيس بشار الأسد وتقدم المعارضة المسلحة، بما في ذلك في العاصمة دمشق.
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينها: “تمت السيطرة على هذه المنطقة منذ نحو 50 عامًا. وانهارت اتفاقية فصل القوات لعام 1974 بعد أن تخلى الجنود السوريون عن مواقعهم”، مضيفاً: “لن نسمح لأي قوة معادية بالتموضع على حدودنا”.
هل تعود الاتفاقية إلى الحياة؟
الإعلان السوري الأخير عن استعداد دمشق للتعاون مع واشنطن لإحياء الاتفاق يأتي في وقت حساس، وسط تغيّرات متسارعة في الجنوب السوري وتبدل خارطة السيطرة الميدانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مدى جدّية هذا التوجّه، وقدرة القوى الإقليمية والدولية على فرض حالة استقرار على حدود الجولان، التي بقيت هادئة لعقود قبل أن تعود التوترات إليها مجددًا بعد الحرب السورية.
يبقى الملف رهناً بالتفاهمات السياسية الدولية، خصوصًا في ظل الغياب شبه التام للدور العربي المباشر، والانقسام الحاد داخل سوريا، وغياب رؤية موحدة لمستقبل العلاقة مع إسرائيل

