
في خضم أتون الحرب العالمية الثانية، التي اندلعت في أيلول عام 1939 بهجوم ألماني مباغت على بولندا وأسفرت عن مقتل أكثر من 60 مليون إنسان، معظمهم في الاتحاد السوفيتي والصين، شكّل ملف أسرى الحرب أحد أبرز التحديات الأخلاقية واللوجستية أمام القوى المتحاربة، حيث وقع عشرات الملايين من العسكريين والمدنيين في الأسر على امتداد جبهات القتال.
عبء إنساني ولوجستي ثقيل
مع تعاظم الحرب واتساع رقعتها، تحول الأسرى إلى عبء إنساني واقتصادي على الأطراف المتحاربة. فقد أُسر نحو 6 ملايين جندي سوفيتي، بينما وقع ملايين الجنود الألمان في قبضة الحلفاء. كما سُجّل أسر أكثر من 500 ألف جندي ياباني، فيما احتجزت دول المحور نحو 120 ألف عسكري أميركي، بينهم 30 ألفًا لدى اليابانيين. وبلغ عدد الأسرى البريطانيين نحو 350 ألفًا، مقابل 1.5 مليون أسير فرنسي.
على الرغم من إمكانية استخدام الأسرى في أعمال السخرة لتعويض النقص في القوى العاملة، إلا أن بعض القوى لجأت إلى عمليات تبادل للأسرى، خاصةً للحالات الإنسانية والمرضى، وهو ما مهّد الطريق أمام الدبلوماسية الإنسانية للعب دور فعّال في زمن الحرب.
السويد تتدخل.. والوسيط بحري
انطلاقًا من حيادها، اتجهت السويد، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى لعب دور الوسيط في تبادل الأسرى بين الأطراف المتحاربة. وكان أبرز أدواتها في هذه المهام سفينة الركاب السويدية الشهيرة “أم أس غريبسهولم”، التي تحوّلت إلى رمز للرحمة في زمن العنف، لتُلقّب لاحقًا بـ”سفينة السلام”.
تاريخ السفينة ومهماتها
تم بناء “أم أس غريبسهولم” بين عامي 1924 و1925 على يد مؤسسة أرمسترونغ وايتوورث البريطانية لصالح الخط السويدي الأميركي للملاحة، وكانت مخصصة للرحلات التجارية بين غوتنبيرغ (السويد) ونيويورك (الولايات المتحدة).
مع اندلاع الحرب، تحوّلت السفينة إلى أداة دبلوماسية وإنسانية، حيث أُعيد توجيهها لنقل الدبلوماسيين والمبشرين والطواقم الطبية والمدنيين من معسكرات الاعتقال التابعة لدول المحور إلى الحلفاء، وبالعكس، وفقًا للاتفاقيات الدولية ومبادرات التبادل.
شاركت إلى جانبها سفينة سويدية أخرى، “دروتنينغهولم”، لتشكّلا معًا جسراً إنسانيًا بين المعسكرين المتصارعين.
رحلات في وجه الحرب
قامت “أم أس غريبسهولم”، وطاقمها السويدي، بـ 12 رحلة تبادل أسرى خلال الحرب، انطلقت فيها من موانئ متعددة أبرزها:
نيويورك (الولايات المتحدة)
لشبونة (البرتغال)
لورينسو ماركيس (موزمبيق – مستعمرة برتغالية آنذاك)
غوا (الهند تحت الاستعمار البريطاني)
إستوكهولم (السويد)
تم اختيار هذه الموانئ بعناية لضمان الحياد وسلاسة عمليات النقل، حيث تركزت عمليات التبادل مع اليابانيين في موزمبيق والهند، بينما تمت التبادلات مع الألمان عبر البرتغال والسويد.
27500 أسير عادوا إلى أوطانهم
خلال سنوات الحرب، أسهمت “أم أس غريبسهولم” في إعادة أكثر من 27,500 أسير حرب إلى بلدانهم، غالبيتهم من المرضى والمدنيين والدبلوماسيين. وقد نُفّذت تلك المهام الصعبة في ظروف بحرية وأمنية شديدة التعقيد، إذ كان لا بد من التنسيق الدقيق لتجنّب استهداف السفينة من قِبل أي طرف في النزاع.
أيقونة إنسانية في زمن الحرب
في وقتٍ كانت فيه البحار تعج بالبوارج والغواصات والألغام، كانت “أم أس غريبسهولم” تبحر تحت راية الحياد والسلام، لتنقل معها الأمل في الحياة لكثير من الأسرى الذين تقطعت بهم السبل.
هكذا، لم تكن السفينة مجرّد وسيلة نقل، بل أيقونة إنسانية خالدة في واحدة من أكثر فترات التاريخ دموية. لقد أثبتت “أم أس غريبسهولم” أن حتى في زمن الحرب الشاملة، يمكن للحياد الإنساني أن يشق طريقه، حاملاً معه بصيصًا من النور في ظلمة المعارك.