#dfp #adsense

الجمهورية بين النصوص المعطّلة والسلاح الحاكم

حجم الخط

الدولة اللبنانية

في لحظة فارقة من التحوّلات الإقليمية وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط، تقف الدولة اللبنانية أمام اختبار وجودي غير مسبوق. فبعد تلقّيها ورقة أميركية تتعلّق بمستقبل الوضع الأمني والسياسي في لبنان، خصوصًا ما يتصل بالسلاح غير الشرعي والحدود الجنوبية، وجدت الدولة نفسها خارج دائرة القرار، تنتظر موقف “الحزب” لا كمفاوض بل كمُتلقٍّ. مشهدٌ يُكرّس انهيار الدولة كمرجعية أولى وأخيرة في القرار السيادي، ويكشف عمق اختلال التوازن الداخلي.

 

1 ـ منطق الدولة المعطّلة

في أي نظام طبيعي، تُشكّل الدولة مصدر القرار في قضايا السلم والحرب، الأمن والسيادة، والعلاقات الخارجية. أما في الحالة اللبنانية، فقد تحوّلت الدولة إلى حلقة وصل بين القوى الدولية و”الحزب”، مجرّدة من المبادرة، مثقلة بالعجز. تسلّمت الورقة الأميركية، وأعدّت ردّها ضمن دائرة مستشارين محسوبين على الرئاسات الثلاث، متجاوزة المؤسسات الدستورية – من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب – ثم علّقت الرد بانتظار قرار من خارج الشرعية.

الأخطر، أن الرئاسات، في مرحلة ما بعد الشغور، لم تتحوّل إلى رافعة للقرار الوطني، بل اكتفت بدور واجهة شكلية. فبين سلطة تُجيد الخطابات وتفتقد الأفعال، ورئاسة تُدار بمنطق الانتظار والتكيّف، تفقد الدولة جوهرها التنفيذي وتُحاصر نفسها في لعبة التبعية. وفي هذا السياق، تغدو عبارة “الدولة القادرة” مجرّد شعار إنشائي بلا ترجمة فعلية.

 

2 ـ التنازل للخارج والهيمنة على الداخل

ما يزيد المشهد تعقيدًا هو تنامي الحديث عن استعداد “الحزب” لقبول تسوية تُخفّف من سلاحه الثقيل ذي الطابع الاستراتيجي، مقابل احتفاظه بسلاحه المتوسط والخفيف داخل لبنان. أي أن المقاومة لم تعد موجهة إلى الخارج، بل بات السلاح وسيلة لإحكام السيطرة على الداخل.

هذا “التنازل المشروط” يُقدّم إشارة إيجابية إلى الخارج، خصوصًا إسرائيل والولايات المتحدة، دون أن يُنتج أي حل وطني جذري. بل هو مناورة للحفاظ على التوازن الحالي، وإعادة صياغة وظيفة السلاح بما يخدم السيطرة السياسية لا التحرير. ومن هنا، يُعيد الحزب طرح الحوار الداخلي كأداة للبحث في السلاح، في حين أثبتت التجارب أن الحوار لم يكن يومًا سوى وسيلة لتضييع الوقت وفرض السيطرة بأساليب الضغط والترهيب.

 

3 ـ تداعيات الانهيار على النسيج الوطني

استمرار هذا المسار يحمل مخاطر بنيوية متعددة:

ـ شرعنة السلاح الموازي تُغذّي منطق “الأمن الذاتي”، وتفتح الباب أمام احتمالات تفكك أهلي مقنّع.

ـ تقويض موقع الدولة كضامن جامع عبر إفراغ المؤسسات السيادية من فعاليتها، خصوصًا الجيش والقضاء.

ـ الانخراط في تسويات تُدار خارج الإطار الدستوري، ما يجعل الدولة شريكة ضمنية في مشروع تفكيك الكيان الوطني.

 

4 ـ السياق الإقليمي والدولي: لبنان كورقة تمرير

تُعيد الولايات المتحدة وإسرائيل تموضع أولوياتهما في الشرق الأوسط على قاعدة احتواء التهديدات وتثبيت الاستقرار، خصوصًا بعد تعقّد الأزمات في غزة والعراق واليمن. وفي هذا الإطار، تُطرح تسويات موضعية مع قوى الأمر الواقع، تُبادِل فيها القوى الدولية غضّ النظر عن بعض الملفات، مقابل تنازلات استراتيجية.

لبنان في هذا السياق يبدو كـ”ورقة تمرير”، لا طرفًا سياديًا فاعلًا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تُدار الدولة من خارجها، وتُختزل سيادتها ضمن تفاهمات غير معلنة، يصبح أي تنازل خارجي ضربة موازية في عمق الشرعية الداخلية.

وفي خضم هذا المشهد، يُعاد طرح عقد طاولة حوار شكلية تُقدَّم على أنها حل داخلي، فيما هي فعليًا محاولة لتخفيف الضغط عن “الحزب” وترسيخ موقعه. التجربة اللبنانية مع هذا النوع من الحوارات أثبتت أنها لا تُنتج سوى التسويف، وتمنح الحزب غطاء زائفًا لتعطيل أي مسار سيادي حقيقي. فالحوار الذي يُدار خارج المؤسسات لا يُعيد التوازن، بل يُكرّس الهيمنة.

 

5 ـ الثنائي الشيعي: تكامل بين السلاح والسيطرة

ما يجري يكشف دورًا تكامليًا واضحًا للثنائي الشيعي في تعطيل الدولة ومأسسة الواقع الموازي. من جهة، يُمسك الرئيس نبيه بري بمفاصل اللعبة التشريعية، معطّلًا التعيينات، وموجّهًا النصوص الدستورية بحسب مقتضيات المصلحة. ومن جهة أخرى، يُمسك “الحزب” بقرار الدولة السيادي، فارضًا خطوطًا حمراء فوق دستورية، ومُغلّفًا ذلك بخطاب “الممانعة”، ومنفّذه عبر فائض القوة.

هذا التلازم بين التعطيل المؤسساتي والتهديد الفعلي يمنع أي إصلاح بنيوي أو مساءلة جدية، ويُبقي المنظومة المالية ـ الأمنية القائمة على حالها، من خلال حماية مؤسسات خارجة عن القانون كـ”القرض الحسن”، وشبكات الصرافة، والخدمات الاجتماعية ـ التربوية الموازية، التي تُنتج ولاءات بديلة وتُقوّض الوظيفة الاجتماعية للدولة.

وهكذا، تتآكل الدولة من داخلها، وتُدار فعليًا من خارج بنيتها الشرعية، فيما يتحوّل الدستور إلى وثيقة شكلية تُفسَّر حسب الطلب، وتُعطَّل آليات الحوكمة الرشيدة.

 

6 ـ الحاجة إلى مشروع سيادي جامع

لم يعد مقبولًا الركون إلى الواقعية السياسية كذريعة للتقاعس، ولا التذرّع بالحوار لتأجيل الاستحقاقات. إن مواجهة هذا الواقع تتطلّب مشروعًا وطنيًا سياديًا شاملًا، يُعيد بناء الدولة على قاعدة الدستور، ويستعيد القرار من منطلق الشراكة الوطنية لا الخضوع القسري.

المعادلة أصبحت واضحة: إما مسار وطني جامع يعيد للدولة حضورها ووظيفتها، وإما استمرار في الانهيار الذي يُفضي إلى فقدان الدولة لأهليتها كمصدر للقرار والشرعية.

 

الدولة أو التلاشي

إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استمرار سلاح خارج الشرعية، بل في استسلام الدولة التدريجي لهذا الواقع، ورضوخها لنظام موازٍ يُدير مفاصلها من خارج المنظومة القانونية. وحده المشروع السيادي المتكامل، القائم على منطق المؤسسات والعدالة والمساواة، قادر على وقف هذا المسار. فإما دولة تحكم، أو كيان يتآكل في لعبة نفوذٍ تُدار بالتهديد، وتشتعل على رماد الفوضى، وتُنذر بزوال ما تبقّى من جمهورية.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل