في قلب جبل لبنان الشامخ، على كتف وادٍ محفور بالشعر والحكمة، وُلد قضاء بشري، ذاك الركن الذي تماهى فيه المجد بالتواضع، والعراقة بالصلابة، والثلج بحرارة الضيافة. بشري ليست مجرّد منطقة… إنها قصة شعب يعرف كيف يصمد، وكيف يحوّل التحدّي إلى فرصة، والجرح إلى حكاية نهوض.
هذا القضاء الذي أنجب جبران خليل جبران، لم يكن يوماً منطقة عادية. من أرز الرب الشامخ، إلى الأديرة العتيقة، مروراً ببيوت الحجر وأهاليها الذين يشبهون الصخر في ثباتهم والسنابل في كرمهم، شكّلت بشري علامة فارقة في التاريخ اللبناني، وموقعاً استراتيجياً في المعادلة الوطنية والثقافية.
لكن كما كل المجتمعات الجبلية، عرفت بشري التهميش المقصود، وشهدت سنوات من التراجع الاقتصادي والتهجير التدريجي، حين هجرها شبابها بحثاً عن فرص عمل مفقودة. ظنّ البعض أن المنطقة إلى انكفاء، وأن قلبها سيتوقّف عن النبض… لكن ما لم يُحتسب، أنّ في بشري عروقاً لا تنضب من العنفوان.
المبادرات تغيّر وجه القضاء
اليوم، وبفعل رؤية متماسكة ومثابرة غير تقليدية، تنهض البلدة مجدداً على قواعد جديدة من العمل الإنمائي المستدام، تقوده شخصيات تؤمن بأن حب الأرض ليس شعراً بل أفعالاً. على رأس هؤلاء النائب ستريدا جعجع، التي تخطّت الدور التقليدي للنائب، لتصبح محرّكة فعلية لعجلة التنمية، وقائدة معركة الصمود الحضاري والاقتصادي.
من ضمن سلسلة المشاريع التي عملت عليها، جاءت مبادرة إطلاق “ساحة بشري” ـ في 5 تموز 2025ـ كمشروع إنمائي وسياحي جذّاب، يعيد الروح إلى وسط القضاء، ويضعه مجدداً على خريطة السياحة المحلية والعالمية. الساحة ليست مجرّد مساحة حجرية، بل قلب نابض بالشرايين الاقتصادية: مطاعم، مقاهٍ، محلات حرفية، مهرجانات، وفرص عمل تُخلق يومياً.
القطاع الخاص يدخل شريكاً في التنمية
ما يميّز هذه المبادرات أنها لا تقوم على الدولة وحدها، بل على شراكة ذكية بين القطاع الخاص وأبناء المنطقة، الذين باتوا ينظرون إلى البلدة كفرصة لا كذكرى. من رجال الأعمال المغتربين إلى المستثمرين المحليين، تتوحّد الجهود لتقديم نموذج تنموي حديث، يقوم على السياحة المستدامة، وعلى احترام البيئة والجمال الطبيعي الذي تتميّز به المنطقة.
بشري: من جبل الصمود إلى رئة الاقتصاد الريفي
قضاء بشري يتغيّر، لا في ملامحه فقط، بل في روحيته. من منطقة كانت تُعرَف بشتائها الطويل، باتت اليوم تُعرف بصيفها الحيّ، المهرجانات التي تُقام في أرجائها، والأنشطة البيئية والرياضية، وحياة الليل الراقية. بشري تتحوّل إلى نقطة جذب للسياح، وللباحثين عن تجربة لبنانية أصيلة فيها مزيج من الطبيعة والثقافة والتاريخ.
الآتي أعظم… والرهان على البشر قبل الحجر
ما يحصل اليوم في بشري هو أكثر من مشروع. إنه تحوّل بنيوي في الرؤية. فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وقد أثبت أبناء المنطقة أنهم أهل ثقة، وأصحاب مبادرة، وشركاء في إعادة صياغة مستقبلهم.
وفي زمن تتراجع فيه الدولة المركزية، تبرز بشري كمثالٍ حيّ على كيف يمكن للمناطق أن تصنع الفارق، متى وُجدت القيادة المؤمنة، والرؤية الجريئة، والمجتمع المحلي الشريك.
هكذا تعود بشري إلى الواجهة… لا كحكاية من الماضي، بل كوجهة نحو المستقبل.
.jpg)
.jpg)