تتجنّب أكثرية القوى السياسية اللبنانية، بما فيها مسؤولو الدولة، اعتماد خيار السياسة الواضحة في هذا الظرف الحساس والمصيري الذي يمرّ به لبنان، إما مراعاةً لمصالحهم مع “الحزب”، أو خوفاً منه. وحدها “القوات اللبنانية” تتّسم مواقفها بالوضوح والصدق، واضعةً مصلحة لبنان أولاً. فبعد زيارة الموفد الدبلوماسي الأميركي توم برّاك إلى لبنان، للاستماع إلى ردّ الدولة اللبنانية على خطته التي تنصّ على تزامن بين تسليم سلاح “الحزب” وانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني، لا تبدو الأمور مثالية، بل لا تُبشّر بالخير بسبب طريقة تعاطي المسؤولين اللبنانيين مع مبادرة برّاك وابتعادهم عن الآليات الدستورية، وارتهانهم لمواقف “الحزب”، وافتقارهم إلى رؤية واضحة تُخرج لبنان من نفق صراعات المنطقة عبر تحديد مهلة زمنية لتسليم سلاح “الحزب”.
لا شك أن برّاك أوصل رسالة واضحة بعد استماعه إلى ردّ لبناني “يدوّر الزوايا”، مفادها أن الإدارة الأميركية غير مستعدة للقيام بمهمات الدولة اللبنانية، وكأنه يقول: “هذا شأنكم”. وهنا تتقاطع مخاوف “القوات اللبنانية” مع مخاوف اللبنانيين عموماً، حيال عجز الدولة عن التعامل مع سلاح “الحزب” المتوسط والخفيف، في حين تولّت إسرائيل تدمير صواريخه الاستراتيجية ولا تزال، مع إبعاد عناصره عن حدودها إلى شمال الليطاني. وما تبقّى من سلاح لم تعد له وظيفة إقليمية، بل يُستخدم في المعادلات والتوازنات السياسية الداخلية، كما حصل على مدى العشرين عاماً الماضية.
تقرأ “القوات” بعين ثاقبة ما قاله برّاك، والأهم ما بين السطور، إذ فُهِم منه أن لبنان سيبقى في حالة عدم استقرار أمني، وانهيار اقتصادي، وعزلة دولية، إن لم يبادر إلى حلّ مسألة سلاح “الحزب”.
وقد أكّدت الأيام التي سبقت زيارة برّاك لـ”القوات”، أن أداء المسؤولين اللبنانيين يفتقر إلى حسّ المسؤولية، وشدّدت مراراً على أن خطة برّاك يجب أن تُناقش داخل مجلس الوزراء لا ضمن تركيبة “الترويكا” بين الرؤساء الثلاثة، لما في ذلك من مخالفة واضحة للدستور، علماً أن القوى السياسية الأساسية ممثّلة في الحكومة، و”القوات” جزء منها. وما أثار استياءها هو انتظار ردّ “الحزب”، كما درجت العادة، وتصرّف الدولة كوسيط بينه وبين الأميركيين، فيما تطالب “القوات” بأن تكون الدولة هي صاحبة القرار والمرجعية النهائية.
أما ما يُطرح حول ترحيل ملف سلاح “الحزب” إلى شمال الليطاني، ووضعه على طاولة الحوار الداخلي، أو بحثه في إطار استراتيجية دفاعية وسواها من “الزواريب”، فترفضه “القوات” رفضاً قاطعاً، وتتمسّك بتطبيق الدستور نصاً وروحاً، لا سيما لجهة حلّ الميليشيات وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني. فكل هذه “المخارج” ليست سوى هدايا مجانية لـ”الحزب” لكسب مزيد من الوقت بانتظار تغييرات إقليمية أو تسويات أو صفقات.
إن خطة برّاك واضحة، و”القوات” تطالب بتطبيقها عبر قرار رسمي من الحكومة اللبنانية، بمعزل عن موقف “الحزب” المرتبط بالمصالح الإيرانية العليا.
ما يحصل لا يطمئن اللبنانيين أولاً، ولا المجتمع الدولي ثانياً، ولا الأميركيين خصوصاً، لأنهم باتوا يشعرون أن “الحزب” يحاول الانقلاب على ما تمّ الاتفاق عليه في وقف إطلاق النار والقرار 1701، كما فعل بعد حرب تموز 2006. وليست هذه المرة الأولى التي تستشرف فيها “القوات” ما سيحصل، فهناك مؤشرات عديدة على أن لبنان بدأ يفقد الزخم الدولي، وقد يُترك في مهبّ الصراعات الداخلية، ما يُهدّد الاستقرار. ولم تتوقف “القوات” عبر رئيسها سمير جعجع ووزرائها ونوابها ومسؤوليها عن التواصل مع رئيسَي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، لإبلاغهما هواجسها ورؤيتها للحل. لكن حتى الآن، لا يبدو أن السلطة اللبنانية تحررت من “فوبيا” الحزب وعقدة النقص حياله، وهو يستغل هذا الواقع.
لن تقبل “القوات” بهذا الأداء، وستبقى صوت الضمير اللبناني الحرّ، الرافض لسياسة “فرفكة الأيادي” وتدوير الزوايا، لأن اللبنانيين سئموا هذه السياسة “الرخوة” حيال فجور محور الممانعة. ومن المتوقّع أن ترفع “القوات” الصوت في الأيام المقبلة عبر مواقف حاسمة يعلنها رئيسها في إطلالة إعلامية تلفزيونية، خصوصاً أن ساحات الصراع الداخلي تتوزّع اليوم بين ملف سلاح “الحزب” وقانون الانتخابات. ولا شك في أن “القوات” تقف في طليعة المواجهة ضدّ الثنائي الحزبي الشيعي الذي يحاول استعادة هيمنته على قرار السلم والحرب من خلال هذين الملفين، علماً أن “القوات” تملك من الجرأة ما يمكّنها من مواجهة أي انقلاب سياسي يُكرّس استمرار السلاح غير الشرعي، ويُبقي على حصر انتخاب المغتربين بـ6 مقاعد فقط في المجلس النيابي.
لا للاستسلام، لا للخنوع، لا للخوف في قاموس “القوات”. ليس هناك قرار قواتي راهناً بالانسحاب من الحكومة، لكن إذا استمرّ التقاعس عن تنفيذ البيان الوزاري بشكل متكرر، فسيُبنى على الشيء مقتضاه، وربما يصل الأمر إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من الحكومة ونزع الثقة عنها.
يثق اللبنانيون بـ”القوات” لأن أفعالها تتطابق مع مواقفها ومبادئها، وخصوصاً رئيسها سمير جعجع الذي يتمتع بمصداقية عالية اكتسبها عبر تاريخه النضالي المقاوم. واللافت أن أبرز ما يهدد لبنان اليوم هو إبقاؤه أسير محور الممانعة، الذي قد يعرّضه لمخاطر جسيمة. صحيح أن اهتمام السلطة بموسم صيف واعد، وسياحة نشطة، وتشجيع المغتربين والسياح على تمضية الصيف في لبنان أمر جيد، لكن اللبنانيين سئموا التسويات والهدن المؤقتة، ويتطلعون إلى حلول جذرية ونهائية، لا سيما في موضوع سلاح “الحزب” الذي يهدّد أمنهم واستقرارهم كلما دعت حاجة إيران إلى ذلك، وهذا ما تحذّر منه “القوات”.
لقد سقطت كل المبررات التي كانت تبرر لـ”الحزب” احتفاظه بسلاحه، بعد الهزائم الكبيرة التي تعرّض لها خلال عام 2024. فهو لم يستطع أن يحمي، ولا أن يبني. لذلك تسعى “القوات” إلى حثّ المسؤولين اللبنانيين على التصرّف كرجال دولة، لإنهاء حالة هذا السلاح الذي بات يهدد الكيان اللبناني أكثر من أي وقت مضى، بعد انتهاء مهمته الإقليمية.
أما تأجيل الانتخابات النيابية تحت أي عنوان، فهو أمر مرفوض بالمطلق من قِبل “القوات”. فإجراء الاستحقاق الدستوري في موعده أمر مقدّس، وحقّ لا مساومة عليه. وستخوض “القوات” معركة إلغاء المادة 112 التي تحصر انتخاب المغتربين بستة مقاعد فقط، لتتيح لهم انتخاب 128 نائباً، وهي الخطوة التي يخشاها الثنائي الشيعي و”التيار الوطني الحر” بسبب أصواتهم الحرة.
تملك “القوات” أوراقاً قوية عدة لتحسين قانون الانتخاب، ولن توفّر جهداً في سبيل ضمان انتخابات حرّة ونزيهة، تراعي التمثيل الصحيح للبنانيين، خصوصاً أن لبنان سيكون قريباً أمام تحديات كبرى على مستوى المنطقة، ويجب أن يكون اللبنانيون ممثَّلين بنواب ينطقون باسمهم، لا باسم دول أخرى… كإيران.

.jpg)