
على الرغم من كلّ ما مرّ على المنطقة والإقليم والعالم، من تطورّات، وعلى الرغم من كل ما واجهه الإقليم وبلدانه من حقائق ومتغيرات ووقائع على أرض الواقع، بدأت بتداعيات عملية السابع من أوكتوبر على جبهة وحدة الساحات في غزة ولبنان، وخسارة معظم قياديي تنظيمات و”حركات” وجيوش و”حرس” تلك “الوحدة”، إن كان بالمفرق أو بالجملة، وسقوط النظام السوري القلب النابض لهذه الجبهة و”توقفه” في دمشق، وطبعًا قد لا تنتهي مع زعزعة قوة النظام الإيراني بعد قطع أذرعه ورؤوسه في غزة ولبنان وتقليم أظافره في اليمن والعراق وصولًا الى وضع رأسه تحت ضربات المطرقة الإسرائيلية والأميركية على السندان في قلب طهران وفوردو ونطنز وأصفهان، يأبى فريق وحدة الساحات وعلى رأسه “الحزب” بقيادييه وسياسييه وإعلامه وأبواقه، إلا أن يقفز متجاوزًا كل ما سبق من وقائع، متصورًا متوهمًا إنجازات، مصوِّرًا لجماهيره انتصارات.
في نفس إطار القفز التجاوزي فوق الوقائع على الأرض من الناحية العسكرية والاستراتيجية في فترة الحرب الممتدة حتى كتابة سطور هذا المقال، برزت قراءة المحور لزيارة المبعوث الأميركي توماس باراك لورقة المقترحات الأميركية التي قدمها في 19 حزيران من العام 2025، ولملاحظات الرئاسات الثلاث عليها التي قدمها الرئيس جوزيف عون في 7 تموز من العام 2025، كما برزت في نفس الإطار المذكور، القراءات المواكبة لتصاريح وايماءات المبعوث الأميركي، متصوّرة متوهمة مصورة موهمة بتراجع وانهزام وانكسار أميركي ـ إسرائيلي، وبتقدم وإحراز وانتصار لـ”الحزب” ومحوره، تمامًا كالانتصارات المنجزة المزعومة منذ طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول من العام 2023 الى آخر استهداف في العيرونية في شمال لبنان في 8 تموز من العام 2025.
لقد ارتكز محللو ومروجو الانتصار الى كلام باراك “الدبلوماسي” لتسويق زعمهم، متجاوزين كعادتهم ثوابت الإدارة الأميركية من بايدن الى ترامب والتي تكررت على لسان المبعوثين من هوكشتين الى أورتيغاس وصولًا الى باراك بشكل واضح وجلي وحازم وجازم.
بالنسبة لاداء “الحزب” قبل زيارة باراك في 19 حزيران من العام 2025 واثناءها وبعدها، وصولًا الى زيارته الأخيرة، تجدر الإشارة الى أنه لم يصل أي رد من “الحزب”، المعني الأول والأخير بمضمون ورقة مقترحات باراك، كما لم تصل أي ملاحظة للدولة اللبنانية الرسمية الممثلة بالرئاسات الثلاث، وهذا ما نقله البطريرك بشارة الراعي عن الرئيس جوزيف عون في زيارته الأخيرة لقصر بعبدا، كذلك كان الرد المباشر لنائب كتلة الوفاء للمقاومة إيهاب حمادة على تصريحات باراك الدبلوماسية المريحة للمروجين والمقلقة لـ”الحزب” في 8 تموز من العام 2025 ما يلي: “نحن لا نعتبر أن الأميركي وسيطًا بل شريكًا، لا سيما بالتجربة المتعلقة بالقرار 1701… إن الحزب، وبعكس ما تقول الولايات المتحدة أنه مشكلة لبنانية، فهو كان حلًا وضمانًا للبنان، نحن لسنا مشكلة داخلية بل الولايات المتحدة وإسرائيل هما أساس المشاكل في العالم والمنطقة”.
لقد عبّر “الحزب” على ما رأينا وسرّب عبر مصادره المختلفة الى معظم الوسائل والمنصات الإعلامية، عن انزعاجه وقلقه وعدم ارتياحه لورقة باراك والتي اعتبرها استسلامًا، كما وصف تصاريحه بعد تبلغه الرد الذي غاب عنه استفزازًا.
على الرغم من سردية انتصار “الحزب” وانكسار الأميركي والإسرائيلي، لم يجرؤ “الحزب” على تقديم رفضه الصريح الواضح لورقة باراك “الاستفزازية” بالنسبة اليه والتي يبدو أن ردّ الرؤساء الثلاث لم يغيّر قيد انملة فيها… فبعد أن روج المروجون وهللوا لنقل المبعوثة مورغان أورتيغاس بسبب لهجتها التهديدية حيال “الحزب”، ولسبب آخر زيارتها لرئيس “القوات اللبنانية” من دون غيره من القيادات الحزبية بحسب تسويقهم، وقفوا أمام مقترحات وتصريحات باراك بوضوح لا يقل عن وضوح وصراحة سلفيه هوكشتين وأورتيغاس. فما اعتبره المروجون تغييرًا عند باراك كموافقة على ملاحظات الرئاسات الثلاث، دحضه المبعوث الأميركي بتأكيده أنه “لم يتسنَّ له قراءتها بعد”، وبالنسبة لـ”الحزب” وسلاحه، اعتبر باراك بأنه “مشكلة لبنانية وعليه أن يؤمن بأن مساره الحالي لن يحقق النجاح المنشود”، أما بالنسبة لما قاله دبلوماسيًا وهلل له المروجون، “ليس على لبنان أن يلتزم بأي جدول زمني”، أوضح عكسه بشكل مباشر بقوله: “ترامب بجانبكم ولديه شجاعة وليس الصبر الطويل”، مكررًا ما قالته أورتيغاس عن “ان صبر ترامب بدأ ينفذ”.
وقد يكون لقاء باراك الطويل والذي تخلله عشاء غير سري مع رئيس “القوات اللبنانية” في معراب، مصدرًا آخر لمشاعر الانكسار واندثار الانتصار على فكرة “حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية”.
.jpg)