
لم يعد من الممكن القبول بالتشويش الإعلامي الذي يمارسه “محور الممانعة” بقيادة “الحزب” في لبنان، انطلاقًا من سياسة “ذرّ الرماد في العيون”، التي تسعى إلى تشويه الحقائق وتزييف المطالب. إذ إنّ ما يُنسب إلى الموفد الأميركي من مطالب، هي في الواقع مطالب غالبية الشعب اللبناني.
فمَن مِن اللبنانيين لا يريد الاستقرار في بلاده؟
مَن مِن اللبنانيين لا يرغب في أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة صاحبة القرار السيادي؟
مَن مِن اللبنانيين لا يريد للحدود أن تكون تحت سيطرة القوى الأمنية الشرعية؟
ومَن مِن اللبنانيين بعد اليوم يقبل أن يكون رهينة سلاح غير شرعي، مهما تنوّعت تسمياته أو تبريراته؟
هذه المطالب ليست مستوردة من الخارج، بل هي لبنانية خالصة. لذا، لا يمكن الاستمرار في القبول بكمّ التشويش الإعلامي المضلل. فالإعلام وُجد لنقل الوقائع، لا لترويج الأكاذيب وبثّ الإشاعات.
كسر دوامة غسل الأدمغة
لقد نجح الإعلام التابع لمحور الممانعة، على مدى أربعة عقود، في ممارسة عملية غسل دماغ جماعي لمجتمع بأكمله. لكن هذا الأسلوب لم يعد جائزًا اليوم، ولا يمكن القبول بالاستمرار في الصمت عن قول الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
نحن أمام مفترق طرق حاسم:
إما أن يكون لبنان دولة سيدة حرّة، مستقلة، تمارس سلطتها كاملة على أراضيها، تحتكر العنف المشروع، وتطبق القانون بعدالة على جميع أبنائها، أو ألا يكون شيئًا يُذكر.
إنها الفرصة الأخيرة للنهوض، وعلى الدولة أن تصدّق فعلًا أنها “دولة”. إذ إنّ من لا يؤمن بذاته، لا يمكنه أن يصبح ما يجب أن يكونه.
نهاية مرحلة التواطؤ
المشكلة الأساسية التي تواجه السلطة الشرعية اليوم، هي فقدانها الثقة بنفسها. هي لا تصدّق أنها قادرة، ولهذا لا تجرؤ على الفعل.
لقد انتهى زمن “أبو ملحم”، وانتهى زمن التحايل على القانون، ودخلنا في المراحل الأخيرة من التناقضات الدبلوماسية.
كما انتهى زمن “الحرب السرمدية”، وآن أوان الدخول في زمن الدولة.
ومَن يرفض هذا الدخول، سيجد نفسه حتمًا خارج الجغرافيا اللبنانية، وبالتالي خارج التاريخ.
لا رماديّ بعد اليوم
الساعات القادمة مصيرية. لا يمكن أن نبقى في المنطقة الرمادية، أو على هامش الأحداث. علينا أن ندخل في صلبها، وأن نبدأ أولًا من داخل الدولة. ومن هناك، يمكننا العمل على تفكيك الإشكاليات التي تدّعي لنفسها “وجودية” لتستمرّ الدولة لادولة.
لا يمكن الاستمرار بعد اليوم بعملية “التكاذب الوطني”، التي انطلقت من وهم “الصهر الاجتماعي”، الذي لم يفضِ يومًا إلى انصهار وطني حقيقي.
هذه الأكذوبة التي رافقتنا لثلاثة عقود يجب أن تنتهي. فغنى الشعوب في تنوعها، لا في ذوبان هويّاتها بحثًا عن هوية واحدة لا تُشبه الجميع.
من التنوع إلى الدولة الاتحادية
لكل منّا خصوصيّته وهويّته، وهذا مصدر غنى للبنان. لكن الإشكالية تكمن في أننا لم ننجح بعد في ترجمة هذه الفلسفة الكِيانيّة في نظام سياسي ينطلق من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمّته.
لقد سقط الحكم المركزي بالتجربة، وسيسقط الحكم اللامركزي حتمًا إن لم يلامس الحقيقة المجتمعية التي تجاهلناها على مدى قرن.
لذا، الحلّ الممكن اليوم هو البحث عن صيغة فيدرالية تنبثق من الواقع الإثنو ـ جغرافي، على قاعدة احترام الهويّات المتعددة بعضها لبعض.
وعندها يمكننا معالجة الإشكالية الجيوسياسية، عبر اعتماد الحياد الناشط، لحلّ المعضلة الجيوبوليتيكيّة وبناء علاقات إيجابية ناشطة مع “الجارين اللدودين المتودّدين”.
نحو شرق أوسط جديد
الشرق الأوسط الجديد سيولد حتمًا.
تجربة “سايكس – بيكو” انتهت مع مَن أنشأها، والعالم اليوم يتّجه نحو أنظمة جديدة تصوغ علاقاتها بناءً على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، لا على شعارات الموت.
يجب أن نعرف كيف نقاطع مصلحة بلدنا مع التحوّلات القادمة، لا أن نُستخدَم حطبًا يابسًا في مواقد الأذكياء لطهي أطباقهم التي تُقدّم من لحمنا الحيّ.
دروس من فلسطين… ونبوءة شارل مالك
الفلسطينيون رفضوا التشارك القومي، ورفضوا حلّ الدولتين، ودخلوا في دوامة “الحرب السرمدية” تحت شعارات “المقاومة”، التي فرّقتهم وأفنتهم، حتى باتوا يستجدون وطنًا.
الشاطر يتعلّم من أخطائه، أما العبقري فـيتّعظ من أخطاء غيره. وإن لم نسعَ اليوم اليوم، وليس غدًا، إلى بناء وطن اتحاديّ حياديّ، فسنُقصى عن الواقع الجغرافي كما تُقصي النار الهشيم، ولن يكون لنا أيّ غدٍ، وسندخل التاريخ من بوابة الانقراض الحضاري.
شارل مالك قال في كتابه “لبنان في ذاته” (1973): “ليس بمقدوري ضمان شيء عن المستقبل، لكنني أستطيع تأكيد أن تغيّرات أساسية ستحصل في لبنان وفي هذه المنطقة… وظني أن المدى البعيد سيشهد ازدهارًا عظيمًا في الشرق الأدنى، وأن حضارةً جديدة رائعة ستنضج فيه… ولبنان سيكون في وسط هذه الحضارة، وقيمه الأساسية ستمثل دورها المتواضع المرسوم”.
هذه النبوءة مهدّدة بالسقوط بسبب الإنكار الوطني الذي نعيشه منذ أكثر من نصف قرن.
من الماضي المتحجّر إلى المستقبل الفاعل
نهضتنا تبدأ عندما نطلّ على المستقبل، لا حين نُقيم في الماضي. علينا أن نخرج من الجمود الماضوي لندخل في الحركية المستقبلية، فالوطن الذي لا مستقبل له يعيش حاضره في موت كياني.
ومن ينكر تراثه وتاريخ شهدائه، لا يستحقّ الحياة. فكم بالحري إذا أصبح الوطن بقياداته ناكرًا لهؤلاء الشهداء!
في سبيل دولة اتحادية حيادية
كي يبقى الإنسان حاضرًا وفاعلًا، عليه أن يعيش في مستقبله، ويستحضر ماضيه، ويكون في قلب حاضره.
الموروثات الخاطئة التي تربّينا عليها، والدمار العقائدي الذي اجتاح بعض مكوّناتنا بالأدلجة الرجعية، أدّيا إلى مجتمع منغلق، يخاف من مجرّد التفكير بالآخر.
أما نحن، فقد اخترنا أن نكون مستقبليين.
لن نرضى بأقل من دولة اتحادية حيادية تحفظ فرادتنا وخصوصيتنا في عالم تكنولوجيّ يعيد صياغة الهويّات بعد أن حاصرتها الإيديولوجيات.
هكذا نضمن استمرارية وطن يليق بتضحيات مَن سبقونا، ويكون بحجم طموحات أبنائنا وأحلام أحفادنا من بعدنا.
أما إذا لم نفعل… فسنصير شتاتًا في شتات، ولن يبقى لنا وطن سوى في ماضٍ تحجّرنا فيه.
