عندما نتحدث عن الاغتراب اللبناني، لا نتحدث فقط عن مجرد “خزّان اقتصادي” يعود بفائدة موقتة على الوطن الأم. نحن نتحدث عن كنز حقيقي من القدرات الفكرية والإبداعية المتنوعة التي تنتشر في كافة المجالات وعلى امتداد القارات. هذا المخزون اللبناني الغني بالعلم والمعرفة، والمفعم بالتعلق الصادق بوطنه، لا يكفيه دعوة عابرة للمجيء وقضاء فصل الصيف لتنشيط العجلة الاقتصادية فقط. فالمغتربون لديهم حق أصيل على دولتهم، لأن قدومهم ليس فقط من أجل إنعاش الاقتصاد، بل لأن لبنان هو وطنهم، وفيه أهلهم وأقرباؤهم وأحباؤهم. من المعيب حقًا أن يُنظر إلى المغترب كمجرد “قوة اقتصادية” تُستغل عند الحاجة، بينما تُهمّش حقوقه الأساسية.
يشهد الاغتراب اللبناني حاليًا حالة من الغليان والاستياء في الخارج. ففي الوقت الذي يُقدّم فيه المغتربون دعمًا لا ينقطع لوطنهم، هناك جهات في الداخل تسعى جاهدة لحرمانهم من حق الاقتراع والمشاركة الفاعلة في الانتخابات النيابية المقبلة. بل وتُحاول هذه الجهات حصر وخنق صوت المغتربين بتمثيل رمزي لا يتعدى 6 نواب فقط، وهو ما يُعتبر إجحافًا وظلمًا كبيرًا بحق الانتشار اللبناني الذي يُقدر بالملايين، ويمثل قوة ديموغرافية واقتصادية وسياسية لا يُستهان بها. هذا التهميش المتعمد ليس مجرد تقليص لأعداد النواب، بل هو محاولة لإسكات صوتٍ يُمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في مستقبل لبنان.
وفقًا لمعلومات موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، فإن حالة الاستياء تعمّ كافة المغتربين المنتشرين في البلدان الأوروبية والعربية والأميركية، وحتى في إفريقيا، وما يؤكد عمق هذا الشعور هو استعدادهم للمجيء إلى لبنان على نفقتهم الخاصة للمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، هذا الاستعداد لا يقتصر على المشاركة في الاقتراع فحسب، بل يتجاوزه إلى المشاركة الفاعلة في بناء الدولة، والتصويت لمشروع شامل يهدف إلى استعادة السيادة وسحب السلاح غير الشرعي.
على الصعيد السياسي، يغرق لبنان حاليًا في حالة من الترقب والانتظار، معلقًا أنفاسه على مضمون الرد الأميركي المنتظر على رده، الذي حمله الموفد الرئاسي الأميركي توماس باراك، إذ تبرز مشهدية جديدة ترسم الأفق المقبل، حيث يُرجح أن تكون عودة باراك إلى لبنان في 23 تموز الحالي، حاملًا الرد الأميركي، الزيارة الأخيرة لموفد أميركي يُعنى بالملف اللبناني، وهذا الأمر، بطبيعة الحال، سيتوقف على طبيعة رد واشنطن، وعلى هوية من سيخلف باراك في إدارة هذا الملف الشائك.
لم يُخفِ الموفد الأميركي رسالته في إحدى إطلالاته التلفزيونية، حيث قالها بصراحة، “لا أحد مستعد للتفاوض مع لبنان إلى ما لا نهاية، وصبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس طويلاً”، هذا التصريح يُعد مؤشرًا واضحًا على استياء أميركي كبير من المماطلة المستمرة في لبنان، والبطء الشديد في حسم الملفات العالقة، والمراوغة، ومحاولات “التذاكي” السياسية. الرسالة واضحة” قطار التغيير قد انطلق، ومن يُلحق به سيحصد الاستقرار والازدهار، وقد ضرب باراك مثالًا صريحًا بسوريا، التي سرقت الأضواء مؤخرًا وباتت تتجه لتكون “قوة اقتصادية صاعدة” بعد قراءتها للمتغيرات الإقليمية والدولية.
مصادر مقربة من الإدارة الأميركية، تؤكد عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “لا مكان للعواطف في السياسة الأميركية الحالية،” فالسياسة الأميركية اليوم حاسمة وتعمل بسرعة فائقة، ولا تتحمل الانتظار طويلاً، كما انها تعتمد على السرعة في حسم الملفات، لأن هناك “قطارًا جديدًا في الشرق الأوسط قد انطلق”، ومن يفوته هذا القطار “سيبقى مكانه”.
تعتبر المصادر أن سياسة المراوحة التي يعتمدها لبنان غير مجدية على الإطلاق مع السياسة الأميركية الجديدة، وخير دليل على ذلك هو التعامل الأميركي مع إيران، فبعد أن أعطى ترمب فرصة للتفاوض، وعندما وجد أن طهران تراوغ وتماطل، قام بضربها سريعًا، مما يُشير بوضوح إلى أن ترمب يريد السرعة في الحسم وتطبيق الأجندات.
.jpg)