#dfp #adsense

الورقة الرسمية: تناقض بنيوي وذهنية تعايش مع العجز

حجم الخط

في لحظة بالغة الحساسية، وبين خطوط النار على الحدود الجنوبية وضغوط دولية متصاعدة، كان من المفترض أن يُشكّل الرد اللبناني على الورقة الأميركية التي حملها الموفد توم براك، نقطة ارتكاز في مسار استعادة الدولة لدورها وهيبتها، أو على الأقل بداية مسار جدي يطمئن الداخل ويقنع الخارج بأن لبنان لا يزال يملك قراره، أو يسعى إلى استعادته. غير أن الواقع جاء معكوسًا: رد باهت، مثقل بالمثاليات، مغطى بلغة رمادية، ومشحون بهواجس تعبّر أكثر عن الخوف من ردة فعل “الحزب”، لا عن مسؤولية دولة ذات سيادة أمام شعبها والمجتمع الدولي.

 

بين النصوص المنمّقة والواقع العاجز

لم يكن متوقعًا من الدولة اللبنانية أن تُعلن مواجهة، لكنها كانت مطالبة بإعلان موقف وطني واضح لا لبس فيه. إلا أن الورقة التي سُلِّمت إلى الموفد الأميركي، والمفترض أنها تعبّر عن موقف الدولة، اختارت التمسك بلغة الماضي بدل التفكير بمستقبل آمن. ركزت مجددًا على القرار 1701، كما فعلت مرارًا في السابق، وكأنها تعيد تدوير التمنيات في وقت لم يعد فيه العالم يصغي إلى النصوص، بل إلى الأفعال. والأسوأ أن القرار 1701 يتضمن تنفيذ القرار 1559 الذي ينص بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة، في حين تدرك الدولة – أكثر من غيرها – أنها عاجزة تمامًا عن تنفيذ هذا الالتزام، ولا تملك الأدوات ولا الإرادة السياسية لفرضه على الطرف المعني الأول به: “الحزب”.

 

تناقضات وهروب من الالتزام

وفي تناقض إضافي، جاءت الورقة نفسها مفخخة بلغة تعكس أدبيات “الحزب”، من خلال التركيز على ضرورة حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني، وسحب أي مظاهر مسلّحة منها باستثناء القوى الشرعية اللبنانية، وكأن الالتزام ينحصر بهذه البقعة الجغرافية. في حين أن القرارين 1701 و1559، اللذين تقول الدولة إنها تحترمهما، ينصّان بوضوح على حصرية السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء. هذا التذاكي في النص، بدل أن يُقوّي الموقف الرسمي، يضعفه ويظهره كجهة عاجزة عن تسمية الأمور بمسمياتها، ويعزز الانطباع أن ما كُتب جاء لحماية مواقف لا لحماية السيادة.

والأغرب، أن الورقة لم تتردّد في الحديث عن تجديد التفويض لقوات “اليونيفيل”، من دون أن تأتي على ذكر أي محاسبة واضحة للجهات التي اعتدت مرارًا على هذه القوات. فكيف لدولة تطالب بتجديد الوجود الدولي في الجنوب، بينما تعجز عن حماية عناصره، أو حتى عن تسمية المعتدين عليهم؟ إن أي دعوة لتعزيز دور اليونيفيل تصبح فارغة ما لم تقترن بقرار واضح بوضع حد لانتهاكات “الحزب” واحترام السيادة الدولية. وهذا يُظهر مجددًا أن الدولة تُطالب من موقع العجز لا من موقع الشريك الدولي المسؤول.

 

عبارات الطمأنة لا تعني التزامًا

أما ذكر اتفاق الطائف في سياق الرد اللبناني لا يبدو إلا جزءًا من محاولة تغطية النص الرسمي بعبارات فضفاضة مطمئنة ووعود ملغومة، من دون أي مؤشرات على نوايا صادقة أو خطوات تنفيذية. فالطائف، بما مثّله من تسوية دستورية، لم يُنفّذ يومًا بشموليته، ولا يمكن استدعاؤه اليوم لتجميل موقف عاجز عن ترجمة أبسط مبادئه.

إن الرد اللبناني، كما جرى تسويقه، بدا أقرب إلى وثيقة لتبرئة الذات منه إلى إعلان نية حقيقية للانخراط في حل جذري لأزمة السلاح. بل إنه غرق في عبارات إنشائية تؤكد على السيادة من دون تقديم أي خارطة طريق عملية، في تناقض صارخ مع بيانات رسمية سابقة، كمثل ما أعلنته رئاسة الجمهورية في منتصف حزيران الفائت بشأن المباشرة بسحب السلاح الفلسطيني من المخيمات. فكيف لدولة تُحدّد موعدًا للتنفيذ، ثم تعود لتتحدث عن “مشاورات لاحقة” في الأمر نفسه؟ إنها مفارقة لا تليق بدولة، بل تُشبه مناورة سياسية للهروب من لحظة الحقيقة.

الرد الذي سُلّم إلى براك لم يكن سوى رسالة تأجيل جديدة. تأجيل للقرار، وتأجيل للاعتراف بالعجز، وتأجيل لمواجهة الحقيقة المرة: لا يمكن لدولة أن تُفاوض المجتمع الدولي من موقع هش، مرتهن، غير قادر على فرض قراراته داخل حدوده. فما قامت به الدولة لم يكن سوى تموضع إضافي ضمن معادلة “الحزب”، لا معادلة الدولة. لقد جرّ الرد لبنان إلى خندق الطرف الخاسر، في وقت كان بالإمكان أن يشكل لحظة مراجعة وطنية لتجنيب البلاد الانهيار الشامل.

في هذه اللحظة المفصلية، لم يكن المطلوب من الدولة أن تُرضي أحدًا، بل أن تُعبّر عن نفسها كدولة.

 

الفرصة الإقليمية المهدورة: القرار اتُخذ… ولم يُنفّذ

وكان من الأجدى بالرد اللبناني، إن أراد أن يُقنع شركاء الداخل والخارج، أن يتضمّن جدولًا زمنيًا واضحًا لتنفيذ الالتزامات، بدل الاكتفاء بمصطلحات عامة لم تعد كافية في ظل السياق الإقليمي المتغيّر. فقد أمضى “الثنائي الشيعي” ومعه محور إيران سنوات يرددون أن نزع سلاح “الحزب” لا يمكن أن يتم إلا بقرار دولي وإقليمي، لا داخلي، واليوم هذا القرار قد اتُخذ، وبات واضحًا أن المطلوب تنفيذه لا نقاشه.

أما العودة إلى طروحات “طاولة الحوار” فهي من جهة، مخالفة لمنطقهم السابق، ومن جهة أخرى، وسيلة مكشوفة لإضاعة الوقت ومراكمة التوترات. إن تجاهل هذا التحول الإقليمي، وعدم التقاط الفرصة لتنفيذ الالتزامات، سيضع لبنان في مواجهة مسار خطير على المستويين الأمني والاقتصادي، وقد يفتح الباب على انهيار اجتماعي شامل يُهدد شكل الدولة، ويعمّق الانقسام بين لبنانيين لم يعودوا يقبلون بأن يُدار بلدهم من منطلق مرجعية مذهبية وبذهنية الثنائي الشيعي حيث يُفرض على سائر المكوّنات الانصياع لها.

أما الرهان على ما سُمّي “رضى براك عن الرد اللبناني”، فليس سوى وهم مكرّر. فقد قيل الأمر ذاته سابقًا عن هوكشتاين، وجرى الترويج آنذاك بأن الموفدين الأميركيين يباركون ما يسمعونه من المسؤولين اللبنانيين، ليصحو البلد بعدها على واقع أكثر قسوة: عزلة دولية، انهيار اقتصادي، وحرب مدمّرة. فابتسامة براك لا تعني شيئًا أمام غياب أي التزام لبناني واضح، حاسم، وواقعي.

الخطر الحقيقي اليوم هو أن الدولة اللبنانية، من دون وعي، قد أدخلت نفسها مجددًا في فخ لا مخرج منه. فـ”الحزب”، الذي فقد الكثير من غطائه الإقليمي نتيجة التحولات السورية وتفاقم الضربات، يسعى إلى فرض شروطه من داخل الدولة لا من خارجها. والدولة، بدل أن تؤدي دورها كجهة سيادية تدير التوازنات، أصبحت تمثّل واجهة لسلطة الأمر الواقع، تفاوض باسمها، وتتكلم لغتها، وتُهدر ما تبقى من ثقة لبنانية وعربية ودولية بها.

الرد اللبناني لم يُظهر أي التزام جدي بتحوّل الدولة إلى جهة صاحبة قرار مستقل. بل أثبت أن الذهنية الحاكمة لا تزال عاجزة عن مواكبة التحولات الجذرية في المشهد الإقليمي والدولي. إنها ذهنية تقبل التعايش مع السلاح خارج مؤسسات الدولة، تفضّل تجميل العجز السياسي بدل مواجهته، وتُراهن على عامل الوقت بدل المبادرة إلى تغيير المسار.

وفي الوقت الذي تُعاد فيه صياغة الخرائط والتحالفات في الإقليم، يبقى لبنان الرسمي أسير خطاب تجاوزه الزمن، يفاوض على طاولة لم يُدعَ إليها كدولة، بل ككيان معلق في حسابات الداخل، معزول عن المسارات الفعلية لإنتاج القرار.

 

ذهنية الحكم بين التأجيل والانكار

في النهاية، إن ما يُخشى منه ليس فقط الرد اللبناني بحد ذاته، بل الذهنيّة التي صاغته: ذهنية تعايش مع السلاح، ذهنية تجميل العجز، ذهنية إضاعة الوقت بانتظار معجزة لن تأتي. وبينما يخطط الآخرون لمستقبل المنطقة، لبنان الرسمي ما زال يكتب رسائل إلى الماضي. وما لم يتبدّل هذا النهج الرسمي، فإن لبنان سيكون أول الخاسرين في نظام إقليمي جديد.

 

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل