
تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن مكملات فيتامين “D” قد تلعب دوراً مهماً في إبطاء عملية الشيخوخة، من خلال المساعدة على الحفاظ على طول التيلوميرات، وهي أجزاء من الحمض النووي تُعتبر مؤشراً بيولوجياً لحالة الخلايا وعمرها. وقد نُشرت هذه النتائج في تقرير مفصل عبر مجلة Scientific American العلمية، في ضوء دراسة جديدة تقودها البروفيسورة جوان مانسون، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد.
فيتامين “D”.. هل هو مفتاح لمحاربة الشيخوخة؟
لطالما تم الترويج لفيتامين D باعتباره علاجاً شاملاً للعديد من الحالات الصحية، من بينها أمراض القلب، وضعف العظام، واضطرابات المناعة الذاتية. ومع ذلك، جاءت تجربة عشوائية محكومة واسعة النطاق نُشرت عام 2020 لتقلّص من هذه التوقعات، حيث وجدت أن الفوائد الفعلية للفيتامين تقتصر على حالات معينة، أبرزها السرطانات المتقدمة وبعض أمراض المناعة.
لكن الدراسة الجديدة تقترح أن فيتامين D قد يمتلك تأثيراً وقائياً في إبطاء تقلص التيلوميرات، وبالتالي في الحد من التدهور الخلوي المرتبط بتقدم العمر.
وقالت مانسون: “إذا تأكدت هذه النتائج في تجارب إضافية، فإنها قد تترجم إلى تأثيرات سريرية مهمة على أمراض الشيخوخة المزمنة، خاصة في ظل الملاحظات التي تشير إلى أن الفيتامين يُقلل من الالتهابات، ويحد من تطور السرطان والوفيات الناتجة عنه، ويُساهم في تقليل أمراض المناعة الذاتية”.
ما هي التيلوميرات؟ ولماذا تهم؟
التيلوميرات هي تسلسلات متكررة من الحمض النووي موجودة في نهايات الكروموسومات، تعمل كـ”أغطية واقية” تحمي المادة الوراثية أثناء انقسام الخلايا. كلما انقسمت الخلية، تقصُر التيلوميرات تدريجياً، إلى أن تصل إلى نقطة لا تعود قادرة فيها على حماية الكروموسومات، مما يؤدي إلى توقف الخلية عن الانقسام وموتها، وهي عملية تُعرف باسم “الشيخوخة الخلوية”.
من هنا، يعتبر طول التيلوميرات مؤشراً مهماً على مدى “عمر” الخلايا. لكن، وعلى الرغم من ذلك، تُحذر الباحثة مانسون من أن طول التيلومير ليس مؤشراً مثالياً للصحة، إذ أن التيلوميرات الطويلة جداً قد تزيد من خطر الإصابة بالسرطان عبر دعم الخلايا المتحولة.
نتائج واعدة.. ولكن بتحفظ
هايدونغ تشو، الباحث الرئيسي في الدراسة وعالم الوراثة الجزيئية في جامعة أوغوستا، أوضح أن مكملات فيتامين D نجحت في إبطاء قصر التيلوميرات خلال فترة متابعة دامت أربع سنوات، لدى المشاركين في الدراسة.
لكن هذا الحماس لم يمنع بعض العلماء من إبداء تحفظهم. فقد شددت ماري أرمانيوس، أستاذة علم الأورام في جامعة جونز هوبكنز، على أن: “طول التيلوميرات لا يُؤثر فعلياً في الشيخوخة إلا في حالات نادرة جداً”، مشيرة إلى أن التغيرات التي لاحظها الباحثون تقع ضمن النطاق الطبيعي للاختلافات البشرية، وقد لا يكون لها تأثير سريري ملموس.
مخاطر الجرعات الزائدة
من جهة أخرى، أشارت دراسة منفصلة أُجريت في المملكة المتحدة على كبار السن إلى أن الارتفاع الكبير في مستويات فيتامين D في الدم قد يكون ضاراً، بل ويرتبط بتيلوميرات أقصر. وهو ما دفع مانسون لتوضيح أن الجرعة التي أُعطيت للمشاركين في دراستها كانت ضمن المعدلات الموصى بها، وليست مرتفعة.
كما أكد الباحث تشو أن فريقه يُتابع حالياً تحليل بيانات من أكثر من 1000 مشارك، للبحث في مؤشرات إضافية مرتبطة بشيخوخة الخلايا مثل مثيلة الحمض النووي (DNA Methylation)، وهي عملية تلعب دوراً في تنظيم عمل الجينات واستقلاب الخلايا.
توصيات أكثر دقة.. لا جرعات عشوائية
اختتمت مانسون بالإشارة إلى أن هذه النتائج من شأنها أن تساعد الأطباء على تحديد الفئات التي يمكن أن تستفيد فعلاً من مكملات فيتامين D، دون اللجوء إلى وصفه بشكل عشوائي للجميع.
وقالت: “لا ينبغي أن تكون هناك توصية عامة بإجراء فحص فيتامين D أو تناول مكملات غذائية للجميع. لكن من المؤكد أن هناك مجموعات معرضة للخطر بشكل أكبر قد تستفيد فعلياً من هذه المكملات”.
على الرغم من أن فيتامين D يواصل إثبات فوائده في مجالات صحية متعددة، تبقى الحاجة إلى المزيد من التجارب السريرية الدقيقة لتأكيد ما إذا كان فعلاً يلعب دوراً جوهرياً في تأخير الشيخوخة وتحسين الصحة الخلوية على المدى الطويل. حتى ذلك الحين، يبقى الاعتدال في استخدام المكملات والتوجيه الطبي السليم هو الخيار الأضمن.