صحيفة نداء الوطن – جان الفغالي
يوم الجمعة الفائت، أدلى المبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم برّاك، بحديث إلى صحيفة “ذا ناشيونال”، الإماراتية. قال في المقابلة: “إنّ لبنان يواجه خطر الوقوع تحت سيطرة قوى إقليمية ما لم تتحرّك بيروت لمعالجة مخزون الأسلحة لدى الحزب، وعليه أن يحلّ هذه المسألة وإلّا فإنّه قد يواجه تهديدًا وجوديًّا”. وتابع برّاك، (وهنا بيت القصيد)، مخاطبًا اللبنانيين: “لديكم إسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، والآن باتت سوريا تُظهِر نفسها بسرعة كبيرة، فإذا لم يتحرّك لبنان، سيعود ليصبح بلاد الشام مرة أخرى”.
ما إنْ وصل الحديث إلى أسماع اللبنانيين حتى بدأ اللطم والتجييش إلى حدّ مطالبة البعض باستدعاء السفيرة الأميركية وتسليمها احتجاجًا على ما أدلى به توم برّاك.
جيّدةٌ “الاستفاقة على السيادة” ولا سيّما ممّن في الداخل الذين شاركوا الخارج في انتهاك السيادة، ليس منذ اليوم بل منذ سبعة وستين عامًا.
أوّل انتهاكٍ للسيادة كان عام 1958، أثناء أحداث تلك السنة والتي سُمِّيَت زورًا “ثورة 58″، كان السلاح يتدفّق، وكذلك الأموال، من الخارج، وكانت الناصرية عابرة لحدود الدول العربية، وكان بعض أبناء تلك الدول، وبينهم لبنانيون، يلاقون تلك الموجة في الداخل اللبناني، من دون أن يقيموا وزنًا للسيادة.
ثاني انتهاك للسيادة اللبنانية كان مطلع العام 1966، حين بدأ، من لبنان، “العمل الفدائيّ الفلسطينيّ المسلَّح”، الذي لاقاه في منتصف الطريق، فريق من اللبنانيين، في تحدّ واضح للسيادة، وبلغ هذا الانتهاك ذروته في ربيع وصيف 1969 وتُوِّج بـ “اتفاق القاهرة” الذي شرَّع العمل الفلسطينيّ المسلَّح.
ثالث انتهاك للسيادة اللبنانية، (وهو تتمّة لأحداث 1969 و1973)، حين دخل الفلسطينيّون إلى عين الرمانة، في 13 نيسان 1975، وكانت تلك الحادثة شرارة اندلاع الحرب اللبنانية.
رابع انتهاك للسيادة اللبنانية دخول الجيش السوري تحت يافطة “الصاعقة”، وإسقاط بلدة الدامور، وكان ذلك في كانون الثاني من العام 1976، وذلك قبل عشرة أشهر من دخول قوات الردع العربية، ومعظمها من السوريين، بموجب قرار القمّة العربيّة المنعقدة في الرياض.
هذا غيضٌ من فيض انتهاك السيادة اللبنانية، ومن الضروريّ التذكير بها إنعاشًا لذاكرة البعض الذي “خدش أسماعه” ما قاله توم برّاك، وهو قولٌ مرفوض في مطلق الأحوال. لكن ما فات “السياديّين الجدد” أن السيادة لا تُستَحضَر غبّ الطلب:
فالذي استقوى بالسوري، لا يحقّ له البكاء على أطلال السيادة.
والذي كان يُرسِل الموفدين إلى سوريا لدعمه بالبنزين والمازوت والذخيرة، للصمود في حروبه العبثية، لا يحقّ له البكاء على أطلال السيادة.
والذي، بعد زيارته الرئيس حافظ الأسد، ضمن وفدٍ فضفاض، عاد ليكشف للبنانيين ما نصحه به حافظ الأسد من أنّ على اللبنانيين أن يتعلّموا تاريخهم من جديد، لا يحقّ له “المحاضرة في عفاف السيادة”.
مَن يتذكَّر قول عبد الحليم خدَّام: “لبنان إمّا أن يكون مع سوريا وإما أن يعود إلى سوريا”؟ أين كان “سياديّو آخر زمان؟”، ولماذا لم يتجرّأوا على الردّ عليه؟
حين قُصِفت الأشرفية لمئة يوم، وكذلك زحلة، أين كان “السياديّون الجدد”؟
صحيح، ما قاله توم برّاك يستفزّ المشاعر، ولكن ألم يكن شعار حليفكم التاريخي “لبنان وسوريا شعب واحد في بلدين؟”. فمَن كان يجرؤ على نقض هذا الشعار من السياديّين الجدد؟