
“لديكم إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والآن باتت سوريا تُظهِر نفسها بسرعة كبيرة، فإذا لم يتحرك لبنان، سيعود ليصبح بلاد الشام مرة أخرى”. كثيرون من المتنطحين المغالين بالاعتراض على ما بدا من كلام الموفد الأميركي الى سوريا، الملزّم الحاقًا بالملف اللبناني توم برّاك، كانوا حتى تاريخ سقوط النظام السوري بقيادة بشار الأسد ومن قبله حافظ الأسد، من أكثر المستفيدين والمرحبين والمستقوين بالتلزيم الأميركي والدولي والعربي لنظام سوريا الأسدين من العام 1976 وحتى العام 2005.
الكثيرون بالمقابل يدركون بأن منطلقات الممانعين المعترضين على التلزيم لم تكن ولن تكون سيادية ولا مبدئية ولا وطنية ولا حتى أخلاقية، بل هي استمرار بالالتزام بمحور النظام الأسدي، الطامع الأبدي بإلحاق لبنان بسوريا وتطويعه وتقويضه وتقطيعه طوائفًا متناحرة على طريقة فرّق تسد، تحت أنظار الملزِّمين الدوليين وعلى رأسهم الأميركيين وبوجه المقاومين السياديين الملتزمين.
لقد كان معترضو اليوم على “تلزيم برّاك” لسوريا الشرع، مستفيدين مرحبين مهللين للتلزيم الأميركي لسوريا الأسد، ولم ينبتوا ببنت شفة معترضة أو حتى منزعجة، لقول نائب الرئيس السوري السابق والراحل عبد الحليم خدام، عندما كان وزيرًا لخارجية النظام السوري في 7 كانون الثاني من العام 1976 في تصريح الى صحيفة “الرأي العام” الكويتية أن “لبنان جزء من سوريا وسوف نستعيده عند أول محاولة تقسيم وينبغي أن يكون ذلك واضحًا”… كذلك، خيّم عليهم الصمت الثقيل حين اعتبر رئيس النظام الراحل حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني من العام 1986 أن “كل شبر في لبنان، إن كل شبر من أرض لبنان هو تمامًا ككل شبر في أرض سوريا. إننا شعب واحد ومن أمة واحدة. هكذا خلقنا الله، هكذا هو التاريخ وهكذا هي الجغرافيا”…
طبعًا هؤلاء أيضًا كانوا من المرحبين والمستفيدين، عند طرح السفير الأميركي دين براون في 7 و9 أيار من العام 1976، على الجبهة اللبنانية وعلى الشهيد بشير الجميل، على ما أكد الرئيس سليمان فرنجية والمقربين من الشيخ بشير الجميل، “مشروع تأمين خروج المسيحيين من لبنان بحماية أميركية”. طبعًا كانوا منزعجين من رفض الجبهة للفكرة وممتعضين من كلام مؤسس “القوات اللبنانية” بشير الجميل الذي أعاد التذكير أمام براون، أن “لبنان الذي عمره ستة آلاف سنة في التاريخ لن نغادره بهذه السهولة. فأجدادنا وشهداؤنا الذين سبقونا في محاربة جميع الجحافل والجيوش التي مرت على لبنان، مجبولة دماؤهم في هذه الأرض. وبالتالي، أنتم تحاولون اليوم حل المشكلة الفلسطينية على حسابنا، وإعطاء حق للفلسطينيين بالاستيطان في لبنان”.
لقد استفاد مَن يعترض على كلام برّاك، من التلزيم الأميركي لسوريا الشرع من الوكالة والتفويض الممنوحين لسوريا الأسد، لقاء خدماتها في حرب الخليج تحت القيادة الأميركية إسقاطًا ونفيًا لميشال عون وأمين الجميل وسجنًا لسمير جعجع، كما استفادوا من تشريع الاحتلال السوري الذي أطلق عليه رئيس دولة أوروبية، بات شريكًا لاحقًا في إصدار القرار 1559، من تحت قبة البرلمان اللبناني، بأنه ضروري، شرعي ومؤقت.
لم يعجب هؤلاء، الرفض الدائم والثابت للتلزيم، والذي عبّرت عنه أحزاب الجبهة والمقاومة اللبنانية وعلى رأسها “القوات اللبنانية”، من بشير الى الحكيم من العام 1976 مرورًا بالـ1986 و1994 وصولًا الى العام 2005 وحتى العام 2025، مع ما استبق رئيس القوات كلام برّاك بقوله في حلقة “صار الوقت” في 10 تموز 2025: “لا يملك أحد حق تلزيم لبنان لأي دولة إذا كنا موجودين”.
أما في مضمون ما قاله المبعوث الأميركي “أن يصبح لبنان بلاد الشام مرة أخرى”، فالعارفون بالجغرافيا والجيوبوليتيك وباللغة العربية ومصادرها في المعاجم، يحيلون توم برّاك والذي غادر جده لبنان في العام 1900 الى معجم لسان العرب الذي يشرح كلمة “شأم” أو “شؤم” بأنها خلاف “اليُمنِ”، والى معجم القاموس المحيط والذي يحدد مؤكدًا أن بلاد الشأم هي بلاد عن مشأمة القبلة، أي شمال شبه الجزيرة العربية، ففلسطين كالأردن والعراق ولبنان وسوريا وفقًا لموقعها على الخريطة، كانت في كل المرات “بلاد” على جهة “الشمال” وما زالت، ولن تصبح إحداها انطلاقًا من جهتها ووجهتها تابعة أو مستتبعة لأخرى.
بالإضافة الى الاستحالة الفعلية المبدئية للتلزيم والاستتباع، سواء كان الحاكم في سوريا أسدًا أو شرعًا، بفضل المجاهرين المجابهين الفعليين للإلحاق الرافضين للالتحاق على ما رأينا، تبرز ميزة وفرادة وتميز الكيان اللبناني عن محيطه القريب من ضمن بلاد “شمال شبه الجزيرة العربية”، وعن سوريا تحديدًا، جغرافيًا سياسيًا ثقافيًا حضاريًا، إذ يقول الكاتب والباحث الاستراتيجي الدكتور نبيل خليفة في مقدمة كتابه “مدخل الى الخصوصية اللبنانية”، إن إعلان لبنان الكبير في العام 1920 سبق إعلان الدولة السورية بسبع سنوات، وبالتالي لم يكن هناك دولة سورية في الأصل لنعتبر أن لبنان انفصل عنها. كان لبنان ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها في العالم العربي في ظل السلطنة العثمانية انطلاقًا من الخصوصية اللبنانية المتمثلة بمجتمعه الجبلي من جهة، وبكون بيروت مفتوحة على الجبل والتجارة مع أوروبا عن طريق البحر، بالإضافة إلى كون بيروت مركزًا رئيسيًا للتعليم العربي الحديث والأفكار الغربية المتحرّرة في العالم العربي. وكان لهذا التمايز السوسيو ـ ثقافي دور مهم في تكوين الكيان السياسي للبنان كما نعرفه اليوم.”
.jpg)