في تطور طال انتظاره سنوات طويلة، أصدر حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، يوم أمس التعميم رقم 170، الذي يفرض حظراً على المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية للتعامل مع عدد من الكيانات، وعلى رأسها “مؤسسة القرض الحسن”. هذا القرار، الذي يُعد ضربة قاصمة للتمويل غير الشرعي في لبنان، حظي بإشادة فورية من الموفد الأميركي توم براك، الذي وصفه بـ”الإنجاز القيّم في الاتجاه الصحيح لضبط تدفق الأموال الخاصة بالحزب”.
لطالما مثلت “مؤسسة القرض الحسن” نقطة خطيرة في النظام المالي اللبناني، فهي ليست مجرد جمعية تقدم قروضاً، بل هي كيان مالي موازٍ يعمل خارج الأطر القانونية والمصرفية الرسمية، متجاوزاً بذلك كل أشكال الرقابة المالية التقليدية، هذا الوضع سمح له بالاستمرار والعمل كشريان حيوي لتمويل أنشطة “الحزب”، بما في ذلك تلك التي تعتبرها دول عديدة موضوعة على اللائحة السوداء، مما يضع لبنان في مواجهة دائمة مع العقوبات الدولية ويُعرّض استقراره الاقتصادي للخطر.
هنا يبرز الدور المحوري الذي لعبته القوات اللبنانية في كشف هذا الملف والضغط باتجاه معالجته، إذ لم تكن القوات اللبنانية مجرد طرف مراقب، بل كانت رأس الحربة في مواجهة هذه “الدويلة المالية” غير الشرعية، فمنذ سنوات، رفع تكتل الجمهورية القوية، الصوت عالياً وبكل جرأة، محذراً من أن أنشطة “القرض الحسن” المالية لا تقل خطورة عن سلاح “الحزب” نفسه، وكانت القوات اول من أدركت مبكراً أن هذا التمويل غير الشرعي يمثل تهديداً وجودياً لمفهوم الدولة وسيطرتها على مؤسساتها.
انطلاقاً من قناعتها الراسخة بضرورة بناء دولة حقيقية، دولة قانون ومؤسسات، ومن منطلق مبدأ “لبنان أولاً”، لم تكتفِ القوات اللبنانية بالتحذيرات، بل اتخذت خطوة عملية وجريئة شكّلت نقطة تحول في مسار هذه القضية، فتقدم تكتل الجمهورية القوية، ممثلاً بالنواب فادي كرم، وأنطوان حبشي، وسعيد الأسمر، في 2-3-2022، بإخبار رسمي مفصل ومدعوم بالوثائق ضد “جمعية القرض الحسن” أمام النيابة العامة التمييزية في لبنان.
هذا الإخبار كان بمثابة أول مسمار يدق في نعش هذه الجمعية المشبوهة، لقد كشف الإخبار عن طبيعة “القرض الحسن” كجمعية مالية موازية تخدم “اقتصاد الدويلة” الخاص بالحزب وتمول أنشطته، وتستغل الأموال في مساعٍ غير شرعية، وقدمت الدليل القاطع على أن هذه المؤسسة ليست مجرد “مؤسسة خيرية” كما تدعي، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة مالية خارجة عن سيطرة الدولة.

