#dfp #adsense

بالفيديو ـ رهبان بيت مارون.. ليفرح ابن الإنسان

حجم الخط

“وبعدما صرف يسوع الجموع صعد إلى الجبل منفردًا ليصلِّي. ولمَّا صار المساء كان هناك وحده. وأمَّا السَّفينة فكانت قد صارت في وسط الموج معذَّبةً من الأمواج”!

مثَل مأثور من خوابي أمثال أجدادنا المبارَكين البسيط فيه يقارب البَّليغ: “نيَّال البيت لبيطلع منَّو بيت”!

كالمغادرين إلى بلادٍ لا حدود أرضيَّة لها ولا عاصمة ورئاسات، أودعوا بيوتهم الوالدية الجزء الأول مِن سنوات أعمارهم مودِّعين الدّار والديار في رحيل واضح المعالم، ثابت الخطوات، صارم القرار، لا عودة منه ولا التفاتة إلى الخلف والوراء، متمنطقين متدرِّعين بما قرَّره وأقدم عليه نابغة طرسوس رسول الأمم:

إنِّي أنسى كل ما ورائي وأنبسط إلى ما أمامي”. تغيُّبهم المؤبد عن ماضٍ عائلي تنعَّموا بغمرات حنانه مترفِّعين عن غصَّات الحنين إليه وقد امتلأ بملامح وتصاوير نزوح يوسف أنطون زعرور مخلوف عن بقاعكفراه، عابرًا فجر بلاد جبَّة وادي القديسين كي يقرع باب حبيب لن يكون لقلبه وحبه سواه، وهو ذاته الفاتح جميع ما عنده من حبٍ ورحابة صدر وأبواب: “اطلبوا تجدوا إقرعوا يفتح لكم”.  الفتى يوسف يقرع باب حبيب الروح والنذور، فتترحَّب به بوابة الدير الميفوقي، ويدخلها حاملاً أمانة سلاماتٍ سيِّدية من سيدة بقاعكفرا إلى سيدة ميفوق!!

 

وتعالَ اتبعني

الرهبانية اللبنانية المارونية رهبانيتهم الأولى، منها اكتسبوا صدق اختبارهم طوباوية العصيان، عصيانٌ أتاح لهم خوض معركة الملكوت والفوز بثروتها وثورتها معًا، فنالوا الوعد والموعد بصلابتهم الإنجيلية أمام أكثر الآيات غرابة وأصعبها فهمًا وأضناها إعجازًا: “كل من أحبَّ أبًا أو أمًا، أخًا أو أختًا أكثر منّي فلن يستحقَّني”. هو ذاته مَن جاهر علانيَّةً وبإصرار مُستغرَب، أنَّه جاء كي يفرِّق الإبن عن أبيه والإبنة عن أمِّها… منطقٌ قاسٍ خشن جاف، فيه من القساوة والخشونة والجفاف ما يكفي لتسبُّبه بعملية انقلاب كامل على نظام صلة الأرحام، كما يهزُّ ويخضُّ أركان شريعة التزاوج والتناسل والإنجاب… لكنَّهم المدعوون إلى هذا التَّحدي الأخطر في سلبهم حقوقهم الجسدية وهم الأعمق في فهم أسباب ونتائج افتراق ابن الله والإنسان عن أبيه السماوي واستبداله سماوات الألوهة بأرض البشر، موطن المزود والخشبة!!

 

رهبانيَّة بيت مارون خدّام أرزة لبنان

إنَّهم ذاتهم الذين هجروا بيوتهم الأولى قاصدين الرهبانية اللبنانية المارونية، ها هم يترجَّون الرحيل عن رهبانيتهم وفي بالهم رهبانيَّةٌ تعود بهم إلى تلك المطارح المترامية الأبعاد، المضاءة بقناديل النجوم المرسملة بعفير التراب، وسبائك الصّخور، وعبير الأشواك، وجزيل الأشواق إلى بريَّة تتَّحد مساحةً بكامل مساحات ذلك العرض السَّخي الشَّهي: “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبِرَّه”. خرجوا من بيتهم الرهباني اللبناني الماروني من دون أن يخرجوا عنه أو عليه. غادروا رهبانيَّة معروفة برهبانيَّة القديسين مجتهدين مجاهدين أن لا يقعوا لحظة واحدة في تجربة الغدر بها، وهل كان خروجهم من بيوتهم الوالدية غدرٌ بآبائهم وأمَّهاتهم وأخوتهم وبيوتهم وموطن أجدادهم؟.. وفاؤهم المطلق لرهبانية المصباح الرهباني هي من أولى أوليَّاتهم وعرفانهم بأفضالها عليهم، توازي رهبانيًا اكتسابهم أثمن الفضائل وأثبتها. خبز رهبانيتهم السَّالفة وملحها وبخورها، هم على مائدة رهبانية بيت مارون اتِّحاد أبوي أخوي بمائدة عشاء سري تحيط بها أساكيم الرهبانيتين كعساكر السَّماء، “ونيّالِك يا رهبانية لبنان المارونية بالبيت الرهباني يلّي طلع منَّك رهبان بيت مارون”!!

 

جبل حنا البطل كيروز الديراني

السَّالكون طريق بشري الأرز عيناتا نحو المباركة دير الأحمر وسائر بلاد الدَّير، يلاحظون عند دخولهم بلدة “بلَيقة” المحروسة، مدخل طريق مشقوقة حديثًا، مرصوفة بالبَّحص المغبَّر بغبرة بيضاء، تفترق يمينًا عن الطريق العام متغلغلةً بين أعباب غابة السنديان، لتنتهي عند محابس رهبان بيت مارون بعلو 1500 متر عن سطح بحر مجازيٍّ، صاخب الموج عاتيَّ الرياح صخبًا وعتوًّا مجازيًا، كأنَّ جرود دير الأحمر بمقام “رتبة الوصول إلى المينا”. هذا الجبل النسكي القورشي كان ملكية عرق جبين الجليل الديراني حنا كيروز الشهير “بحنا البطل”. رجلٌ من عالي جباه ديارنة دير الأحمر وعزِّ هوياتهم في ميادين الرجولة وساحات الشرف. هم للسيف والضَّيف وردِّ الحَيف وقلعة الدَّير هي قوس قزح ربَّاني رهباني، يمتد من وادي دير العاصي حتى آخر حدود مملكة شعب سيدة البرج وبشوات، وهذا القوس الديراني هو قوس النَّصر الدائم على مداخل حصون وأبواب قلاعٍ مسيحانيَّة بقاعيَّة لبنانية شرقية، لن تطال أبوابها أبواب الجحيم. حنا كيروز الواثق المتيقِّن بأن إيمانه بكنيسته كما بأرضه هو إيمان واحد ضابط حرَم الحدود وأمانة العهود وميراث الجدود. الوقور حنا، عاش عمر الوزنات الكاملة الرَّاجحة مقتديًا بانتظار سمعان الشيخ، ليوم خلاص الرب إلى يومٍ علم به أنَّ رهبانًا وافدين من ديرٍ مرتجل موهوب لهم وهبًا مؤقَّتًا مشروطًا بإعادته إلى واهبه فور توفُّقهم بأرض ثابتة الملكية تتسع لرهبانيتهم النسكية القورشية تحميها من التشرُّد والارتحال. استلهم البطل الكيروزي بأنَّ هؤلاء الرهبان آتون بالذِّكرى والذاكرة كشمامشة رمزيين لسمعان الشيخ، ينتظرون دخول المسيح من هيكل أورشليم إلى هيكل دير الأحمر دخولاً يؤكِّد حضور الرب وخلاصه لتلك الديار المضرًّجة التراب بمئات دروب الآلام والبطولات والشهادة والورديات !

ها هوَّ حنا كيروز يهبُ كامل جبله وهبًا مؤبَّدًا لرهبانية بيت مارون، خدام أرزة لبنان، بمساحة عقارية تبلغ 42 ألف متر مربع. وفوق تقدمة جبل قورش الجديدة، قدَّم الوالد البطل ابنًا من أبنائه كي يقف بحضرة الله القادر على كلِّ شيء، ناذرًا نذور الطاعة والعفة والفقر حتى الموت، إضافة إلى نذر الكلمة وهو النذر الخاص برهبانية بيت مارون، الجامعين أيامهم بين أيامٍ للتنسُّك والاستحباس وبين أيامٍ للتبشير بكلمة لأجلها يخطِّطون لبناء مستشفى لا سابق لها، تداوي موجوعي النفس والروح والإرادة، كما الموجوعين في إيمانهم ورجائهم، وما أكثر الرعايا الموجوعة من تدنَّي مقياس ارتفاع مكيالٍ  مثالي معدٍّ لسراج سماوي النور، ينقل سناء البهاء الأقدس إلى عيون أرهقتها مختلف أنواع العتمات !!

 

محابسهم.. لوقف التنازلات

السَّائلون عن رهبان بيت مارون كثيرون والمتسائلون أكثر. مئات من اسم الاستفهام، لماذا تتوالى ولا تتوقف… لماذا ولماذا هذه الرهبانية تعود برهبانها الممتلئين شبابًا ونضارة وعلمًا وفكرًا وثقافةً إلى قديم عصور مارون القورشي واسحق القورشي ويعقوب القورشي ويوحنا القورشي وسمعان العمودي ويوليانوس الرَّهاوي، بينما العالم بأسره يتباهى ويتمخطر ويزمِّر ويرقص ويسكر احتفالاً وابتهاجًا بحلول عصر عيد “الذكاء الاصطناعي” كدَّسَ أرباب العلم أسراره… وعن مجموعة هذه الاستفسارات المُحقَّة يأتي الجواب واحدًا وحيدًا ومن فم المعلِّم بالذات:

” من ثمارهم تعرفونهم”!

شبَّان في أعمار الزَّهر أوائل براعمه، وأعمار الورد عند مطلع نوّاره، وأعمار القمح حين يقوم سنابلاً من دفنة ترابه إلى أعراس الخبز والقرابين، وأعمار عناقيد الدوالي في عزِّ شباب خمرتها الافخارستية!

هؤلاء الفتيان والشبّان يثيرون دهشة وذهول القرن الثاني والعشرين وهم يخوضون أكبر معارك مسيرتهم عكس السَّير، مندفعين بغبطة لا حدود لها وبفرح يتخطَّى المعقول والمأنوس لعودتهم النَّاضجة الرصينة والمتمكَّنة إلى معيشةٍ شبه عجائبية، عاشها قبلهم آباء البريَّة الكبار وهم المُقبلون على هذا الزهد العجيب الشبه المستحيل، قادمين من تفوُّقٍ علميٍّ جامعي أكاديمي، ومن فوزهم باختصاصات علميّة وعمليَّة، شهدت لها شهادات الفخر ودرَّت عليهم مكانات اجتماعيَّة زاهيَّة ومعاشاتٍ مالية تجذب إليها الطّامحين بالانضمام لمجتمع الثروات والأثرياء… بعض هؤلاء المتنسِّكين الأفذاذ، هجر عائلة تمتلك مئات ملايين العملات الصعبة وجواهر الأحجار الكريمة والشركات المتفرِّعة وعشرات عقارات بين أراضٍ ومكاتب وأبنية، فكانت صدمة الأب والأم أشد الكدمات النفسية والاجتماعية وهمّ الهموم لمن يورِّثون ميراثًا لا تلتهمه النار، لكنَّ الابن المدعو إلى الكمال حاذر سلوك مسلك ذلك الغني الذي مضى حزينًا بائسًا لأنَّه “كان ذو مالٍ كثير”…

بعض هؤلاء الشجعان غادر بيته ابنًا وحيدًا لأبيه وأمه وأخًا وحيدًا لأخته الوحيدة، فاتحًا بين أهله وبين يسوع، مواجهة أليمة من الصعب جدًا أن تهدأ قريبًا وتستكين، بعد أن نفذَّ معلَّم الاثني عشر ما أراده وخطَّط له من غاية تفريقه الابن عن أبيه وأمِّه والأخ عن أخته!

جبل محابس رهبان بيت مارون، لأجل أن تقف أجناس وصفات التنازلات عند حدِّها الأخير الخطير، أكانت دينيةً أم دنيوية.. عصر القداسة “بالجينز والشورت والتِّيشرت”، يدقُّ أبواب الأقداس المعطاة للقديسين، وقداستهم سلكت أضيق الطرقات وأوعرها وأضناها.

المسوح ذكريات حبساء سيرتهم المذهلة عند أبناء اليوم أقرب إلى الأساطير، والاساكيم الملائكية تكاد تتعلَّق في خزانات الأثواب الديرية للمناسبات الرَّسمية، والاختصاصات الرهبانية الطّارئة المستجدة تعاكس آية: “لا تهتمّوا للغد فالغد يهتمُّ لأمره”.

ها هي الأمم تسلِّم شؤونها وشجونها وأمورها لآلهة الذرَّة والإلكترون وبرامج تصنيع البشر والمطر والشجر على حدٍ سواء، وجنون علم البيولوجيا يحاول اقتحام أسوار الخالق وإلقاء القبض على أسرار خلقه وخليقته. الآلة تشمخ وتتعالى وتتجبَّر، والإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله يتضاءل وسمو مزاياه الإنسانية تكاد تتلاشى ومجانين التكنولوجيا يدهسون كل ما يقف عائقًا أمام جنونهم وتهوًّرهم والعالم البائس الضائع ينزلق يومًا بعد يوم إلى أمجاده الباطلة!

رهبان جبل محابس جرد دير الأحمر هم اليوم حجر العثرة والشك لدين يلتحق بأمور الدنيا، ودنيا لا دين لها أهمّ إلاَّ تناسي وتجاهل وصية الوصايا: “لا تعبدوا ربَّين الله والمال.. رهبان جبل السنديان والماشية والغبار الجوريّ تختصر سيرتهم ومسيرتهم مذكرات ذلك الراهب الكرملي المستشرق وشهادته عن رهبان أديار العصمة والحصون:

“ينهضون عند انتصاف الليل ويسيرون إلى الكنيسة في صفوفٍ ترعب الأبالسة”!!!

 

كنيسة الـ 350شهيد رهبان دير العاصي

جبل محابس رهبان بيت مارون يسعى إلى كماله واكتماله بكنيسةٍ يبنيها آباء وأخوة، بتفسُّخِ أصابعهم وتخشُّعِ قلوبهم، وبحجارة ديرية مقصَّبة، لكل حجر منها رسولٌ يبني رسالة ويكحِّلها بسماوية ألوان كحلة التَّرتيل. تعلو المداميك أساكيم غبراء مغسولة بمزاريب عرق بنَّائيها، وعرقهم ينضح زوايا الأساس بزوفى حقول روابي الملائكة!

هي أولى الكنائس اللبنانية الإنطاكية المشرقية تحمل أسماء شهداء انتمائهم والتزامهم بالعقيدة الخلقيدونية واتِّحاد الطَّبيعتين في يسوع الإله، والإنسان قد كلَّف دير مارون العاصي ثلاثمئة وخمسين من أعناق رهبانه تمَّ قطعها من وريدها إلى ورديتها، ودماؤهم أزهار ما زالت تفوح وتضوع في مزاهر إنطاكيا، مدينة الله العظمى. إنَّ الجدران والسقف والقبَّة هو تفصيل في ما يبنيه فَعَلة بيت مارون، والأصل والأساس هو افتتاحهم ورشة بنيان ذاكرة جماعية مارونية لبنانية نسكيَّة جبليَّة، تشمل كامل المسيحانية الشرقية، وهذه الذاكرة بالتَّحديد تكاد تصبح ركامًا وأطلال…

ما أقدسها أيادي معمرجيَّة يعمِّرون لشهداء دير العاصي الثلاثمئة وخمسين حقائق أسباب استشهادهم ونتائجه، هذه الحقائق المهيبة الموثَّقة يجهد معماريونا لهدمها كفاجعةٍ لا قيام منها كي يرفعوا سقفها حتى أعالي سقوف شعب الرجاء، وحتى أنبل ما تمَّمه ونفَّذه هؤلاء الأبناء الورثة الأمناء، أبناء وورثة تتميم وتنفيذ وصية والدهم الديراني الجليل حنا البطل كيروز في نقله ملكية جبله لمشروع الأقداس المعطاة للقديسين!!

 

خدَّامكِ يا أرزة لبنان

خدَّامكِ يا أرزة لبنان، حوَّلوا اليوم الثاني من شهر آب المبارك من العام 2025 إلى يوم سبت تجلّي السيرة النسكية المارونية الموروثة من خيمة جبل مارونها، والجموع الوافدة من جميع مناطق لبنان تنوب عن بطرس ويعقوب ويوحنا، والمحابس المصابيح تحضر بديلاً عن موسى وإيليا ومساء تكريس مذبح شهداء 31 تموز ورفع قداس رفع النوايا عن ستة رهبان أخوة، يرفعون نذورهم المؤبدة لله القادر على كل شيء وللطوباوية مريم أرزة لبنان ولأبيهم القديس مارون، هذا المساء الأقرب إلى السماويات  نهتف معًا بحضرة بهاء هذا الانخطاف: “حسن أن نبقى ههنا يا معلِّم”!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل