
صحيح أنّ لبنان قد وقّع على اتّفاق وقف إطلاق النّار في 27 تشرين الثاني 2024، بمباركة دوليّة وأميركيّة بالتحديد، غير أنّ الاعتداءات على لبنان ما زالت حتّى الساعة، وما آخرها إلّا تفجير منزل في بلدة حولا يبعد 1500 مترًا عن الحدود، كذلك الغارة على طريق عام تول ـ الكفور قضاء النبطية والتي أدّت إلى سقوط قتيل وإصابة شخصين بجروح.
مقابل ذلك، توالى تذكير اللبنانيين، والمجتمع الدولي معهم، بتفاصيل خطاب القسم والبيان الوزاري، من قبل النوّاب الذين توالوا على الكلام في الجسلة النيابيّة، فضلاً عن الرّدّ الذي تقدّم به رئيس الحكومة نواف سلام على أسئلة النواب، وصولًا إلى تحويل الشعبويّين منهم لأسئلتهم إلى استجواب ومن ثم إلى طرح الثقة من قبل هؤلاء بالحكومة.
لكن سقط طرح هؤلاء بنيل الحكومة، مزهوّة، ثقة المجلس النيابي مجدّداً، إذ حصلت على 69 صوتاً، فيما حجب الثقة تسعة نواب من أعضاء تكتل “لبنان القوي”، وامتنع أربعة نواب، هم: آغوب ترزيان، عماد الحوت، نبيل بدر وفريد البستاني. وتجديد هذه الثقة قدّمها رئيس تكتل “لبنان القوي” النائب جبران باسيل على طبق من ذهب، نتيجة طلب طرح الثقة عشوائيًّا، ومن دون أيّ حسابات ولغاية غير مفهومة لا تندرج سوى في الأطر الشعبويّة التي عوّدنا عليها هذا الفريق السياسي طوال الفترة التي حكم فيها، وما من عاقل إلّا ورأى تداعيات حكمه.
وهذا كلّه لم يمنع التصعيد الاسرائيلي. أمام هذه الوقائع لا يمكن السكوت عن الاستمرار في حالة اللادولة التي تتعنّت الممانعة وحلفائها بفرضها على الواقع اللبناني. وهذا ما يحاول العهد استيعابه عبر ممارسة الديبلوماسيّة الناعمة في التعاطي السياسي مع هذه الفئة بالتحديد. ولكنّ ذلك ما عاد نافعًا نتيجة لما يدور من أحداث في الجوار السوري علينا أن نحسن قراءتها،ماذا وإلّا قد يلاقي لبنان المصير نفسه.
الأمثولة الأهمّ في أحداث السويداء هي أنّ هذا القطار الذي انطلق دمويًّا في السابع من تشرين الأول 2023 لن يتوقّف حتّى الوصول إلى المحطّة الأخيرة. ومَن ستسوّله نفسه بالوقوف على السكّة أمام هذا القطار، قد ينجح بعرقلته بعض الوقت، لكنّه لن يستطيع إخراجه عن مساره لكلّ الوقت. لا بل هذا القطار مستعدّ لدهسه حتّى يصل إلى وجهته الأخيرة.
وفي لبنان على الفرقاء السياسيّين، على اختلاف تموضعاتهم السياسيّة، إدراك هذه الحقيقة. فالاستثمار في تسعير السلاح أكثر في لبنان ذريعة إيجاد وظيفة جديدة له، لن ينفع. فبعد سقوط الذريعة الأولى في اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024 ها محور الممانعة يستنهض ذريعة الارهاب وغيرة أهل الدّين. في هذه المرحلة بالذّات وحدها الحكمة السياسيّة قد تعيد إلى لبنان ما فقده وتسمح له بالقاء في وسط هذا القطار.
لذلك كلّه، لوقف الاعتداءات كلّها، مطلوب من الحكومة اللبنانيّة أن تستجيب لأصوات الأكثريّة النيابيّة التي تريد نزع السلاح غير الشرعي وفكّ التشارك السيادي واستعادة الانتظام المؤسّساتي. ولن يتحقّق ذلك إلّا إذا صدر قرار رسميّ من الحكومة بوضع جدول زمنيّ قصير المدى، والبدء بتنفيذه فورًا. فالسلاح ضدّ العدو الاسرائيلي تمّ اختباره. والواقع يتحدّث عن نتائج هذا الاختبار.
خريطة الطريق واضحة. تبدأ من السرايا الحكومي، ومن ثمّ تمرّ في بعبدا لتأخذ آليّة التنفيذ من اليرزة وتبدأ المباشرة اليوم اليوم وليس غدًا. وذلك انطلاقًا من تطبيق أحكام الدّستور اللبناني. وما يقوله الأميركي اليوم هو ما فتئ على قوله اللبنانيّون الأحرار طوال أربعة عقود.لا بل منذ العام 1969 وحتّى اليوم. لذلك آن أوان التنفيذ. وأيّ مماطلة يتحمّل مسؤوليّتها دعاة مبدأ الديمقراطيّة التعطيليّة في السياسة، أمّا على أرض الواقع فكون “الحزب” هو المعني الأوّل بهذا الموضوع، تقع على عاتقه المسؤوليّة الكبرى. معطوفة على مسؤوليّة السلاح الفلسطيني غير الشرعي الموجود في المخيمات الفلسطينيّة.
وإن لم يتحقّق ذلك، سيستمرّ التصعيد. وباعتقادنا أنّه سيستمرّ لأنّ التعنّت مستمرّ. أمّا نحن لنبقى ونستمرّ، إن استمرّ الوضع على حاله فسنقولها بلا هوادة: “الأمر لنا” وسنمضي من دون الرّجوع.