
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)

لم تكن ليلة السبت ليلة من العمر، إنما ليالي العمر التي تعيد الى الروح نبضها والى الأرز تألقه. الى بشري توجهنا للمشاركة في افتتاح مهرجانات الأرز الدولية بعد غياب قصري دام خمس سنوات. سمعنا عن حفل ضخم لفرقة مياس بعنوان “العودة” للمبدع نديم شرفان، فزاد شوقنا، لما سنرى ونسمع ونشاهد. فنحن لم نحضر مياس الا عبر الشاشات، عندما تألقت عالميًا رافعة اسم لبنان.
على الطريق باتجاه الأرز، أرتال من السيارات والباصات. وعلى مداخل المدينة، شبان وشابات يستقبلون الزوار بالبسمة والـ”أهلا وسهلا” والمياه. أعترف. لم يكن المشوار سريعًا على الرغم من أننا انطلقنا باكرًا للوصول قبل الزحمة. لم ننجح واستغرق الطريق الذي يغص بالآلاف وقتًا لم نكن نتوقعه، على الرغم من الانتشار الكثيف للقوى الأمنية والتنظيم الرائع للجنة مهرجانات الأرز الدولية.
وصلنا… وللمكان أصلًا رهبته، ففي حضرة أرز الرب تسقط الكلمات ويشمخ لبنان مرفرفًا فوق أجنحة العنفوان. هنا في جبّة الموارنة، تاريخ قديسين وقديسات وبطاركة وأجداد حفروا الصخر فجعلوا منه عنوان صمودهم وتجذرهم في أعماق هذه الأرض، كما تجذّر أرز بشري وأرز لبنان. ومن هنا لمع جبران خليل جبران في هذا الكون الشاسع فيلسوفًا للمحبة وشاعرًا للكلمة الحرة.
في باحة “كبار الشخصيات”، تشعر فعلًا أننا “رجعنا يا لبنان”، وهو العنوان العريض الذي أطلقته النائب ستريدا جعجع على مهرجانات الأرز الدولية لهذا العام. على المدخل استقبال مميز، وفي الداخل، وزراء ونواب وسفراء ورسميون يستعدون لحجز الأماكن المخصصة لهم. وصول الشخصيات يتوالى. عقيلة رئيس الجمهورية السيدة نعمت عون، رئيس الحكومة نواف سلام، البطريرك مار بشارة بطرس الراعي… إعلام ومقابلات وصور، أما النائب جعجع ورئيس حزب “القوات” فيرحبان بضيوفهم فردًا فردًا.
دخلنا الى حرم المسرح. المدرجات تمتلئ شيئًا فشيء. فرق التنظيم عيون شاخصة لمساعدة الجميع على إيجاد أماكنهم، ولسان حال كل وفد من وفود الحاضرين “عجقة كتير، السير مسكر وبعد في كتير ناس ع الطرقات”. على اليمين، زُين جبل المكمل المطل على مدرجات المهرجان وعلى مساحة شاسعة، بـ”Laser Show”، في عرض لم يتوقف طيلة الأمسية، فرُسمت خريطة لبنان والعلم اللبناني وشعار مهرجانات الأرز الدوليّة ومساحة لبنان البالغة 10452 والأرزة اللبنانية وكلمة Lebanon، إضافة الى شعار “مياس”، في لوحة من الأضواء التي أسرت العقول والقلوب.
بلبلة وانتظار على المدرجات، وتوقعات بما يمكن أن نرى. أمامنا من أتى من صيدا والى جانبهم من قصد الأرز من القليعة ورميش. وراءنا من وصل من طرابلس وأخرين من بيروت وأقضية جبل لبنان والبقاع والكل حائر بأمره: “كيف ستنفذ فرقة مياس الراقصة حياة جبران الفيلسوف والفنان”؟
صارت الساعة التاسعة والنصف امتلأت الكراسي. 12 ألف كرسي. معقول؟ كيف دخل هذا الكم من السيارات والناس الى الأرز، وبدأ الحفل في الوقت المحدد؟ النشيد الوطني اللبناني، والكل صوت واحد وقلب واحد في إنشاده، ثم وثائقي قصير باللغة الإنكليزية يجسد عزيمة النائب جعجع، التي أطلت بعد ذلك كأميرة أميرات الأرز ولبنان، فتألقت كما دائمًا، بفستان مميز للمصمم اللبناني العالمي جورج شقرا، وتسريحة شعر بسيطة عكست عمق أناقتها، أما كلمتها فكانت مدوية. “رجعنا يا لبنان. كيف لا نعود ونحن أكثر ما نجيده… هي العودة. من قلب الأعاصير نهضنا، من أتون النار والانهيار نهضنا، من ركام الدمار نهضنا، وغبار الموت عنا نفضنا… والى رحاب الحياة التي نستحق…انطلقنا”، معلنة افتتاح مهرجانات الأرز الدولية للعام 2025، بعرض رائع من المفرقعات النارية على أنغام أغنية الفنان جوزيف عطية “لبنان رح يرجع”.
إنها العاشرة. حان الوقت المنتظر. حُبست الأنفاس، وبدأت “ميّاس” عرضها الأسطوريّ الذي ضم 70 راقصة وراقص فكانت اللوحات ساحرة والمؤثرات الضوئية والصوتية الضخمة مميزة، والموسيقى اللبنانية مبكية، فطار الجمهور الى رحاب حلم “العودة”، عودة لبنان الى كنف الحضارة والحياة… والأرز.
في لوحة “الصلاة” الأولى التي أدتها مياس، عبقت رائحة البخور في الأرجاء، وكانت “العودة” هذه المرة الى كهوف وادي قنوبين القديمة، حيث التقت صلوات الرهبان بأجنحة الملائكة التي رفرفت في المكان. وجسدت هذه اللوحة اجتياح “المماليك” الصامت ومحاولتهم إطفاء نور الأمل، لتبدأ بعد ذلك المعركة الملحمية، فتحمي الرهبان وتحفظ شعلة الإيمان.
في اللوحة الثانية، شيء من الغموض والخيال والألغاز. إنها “النبوءة” التي لعبتها مياس على طريقتها، فشكلت جسرًا بين العالم الذي نعرفه والعالم الذي نحن على وشك اكتشافه.
اللوحة الثالثة كانت لـ”الأرزة”. هناك ولد جبران الصغير، وهناك استقبلته روح حيّة من شجرة الأرز، عرّفته على المكان الذي سيُصبح وطنه. في موطنه هذا كبر جبران وأصبح شابًا. أما اللوحة الرابعة، لوحة “يا ابني”، فتجسد صراعًا بين مصيرين، إذ تنادي المطرة جبران الشاب الى الرحلة، بينما تحاول الأرزة حمايته في جذورها. في هذه الرقصة يختار جبران الانطلاق في البحر، حيث تغوص في اللوحة الخامسة سفينة الأحلام في المجهول، ولوحة “البحر” هي إشارة إلى هجرة جبران من لبنان نحو الغرب.
في رقصة “اللوحات”، يظهر جبران كفنان تعبيري، تترجم كل “خربشة” من فرشاته، جوهر جمالٍ اختبره أو يتوق إليه. هذه اللوحة، تجسد شخصية جبران الغامضة، لتولد بعد ذلك ملكة الجليد وسيدة الشتاء القاسي.
في مشهدية “الشتاء والجليد” السابعة، يتذكر جبران واقعه القاسي ومرارة الحياة بعيدًا عن وطنه الأم، لكن وعلى الرغم من ذلك، يحاول عبور العاصفة بحثًا عن المطرة وعن وعدها له بالنجاح.
تجسد مياس في لوحتها الثامنة مبدأ “الخير والشر”، فجبران الذي يعيش رحلته الإبداعية، يخوض معركة ضد السيطرة على عقله وروحه، مصطدمًا بجفاف الإلهام الذي يثقل كاهله كفنان. وبعد انهياره، تهبط المطرة عليه كالنور فتمنحه القوة لتجاوز محنته… ويُولد “النبي”.
في اللوحة التاسعة، أدت مياس رقصة “الجنازة” والعودة إلى الأرز، وسط حزن شديد على الطفل الذي قادته المطرة عبر البحار ليحقق أحلامه.
في اللوحة العاشرة، شيء من الولادة والانبعاث فـ”المرأة الأخرى” تجسد المعتقدات التي رافقت جبران طوال حياته، وتأخذ “العودة” شكلها النهائي في صورة أنثوية، متماشية مع ختام “النبي”، أما اللوحة الحادية عشرة أو “الاحتفال بالدورات”، فهي عودة روح جبران الى عالمنا. واللافت أن هذه اللوحة لم تكن نهاية الاحتفالية، إنما بداية لقصة لم تولد بعد.
في هذا العمل المتكامل الذي تصعب الكلمات عن وصفه مهما حاولت، تألقت سينتيا كرم بدور المطرة وبديع أبو شقرا بدور جبران الشاب وعمار شلق جبران الكهل، فيما صدح صوت الفنان ملحم زين في أغنية “أعطني الناي وغني” وصوت جاهدة وهبة في رائعة “يا ابني”، فانهمرت الدموع من عيون جمهور صمد وسيصمد، لكنه لم يتمكن من كبت مشاعره.
انتهت الأمسية الحالية، تاركة في القلب شعورًا غريبًا تزاوج بين الفرح والانبهار والغصة. من يكن ليتخيل أنه سيتمكن من معاصرة جبران خليل جبران ونحن في العام 2025؟ من زار الأرز السبت الماضي، تخيّل وشعر وعاش. نعم، عاش “الحب الذي لا يعرف عمقه إلا ساعة الفراق”… من زار الأرز السبت الماضي استعاد مجدًا من أمجاد لبنان، الذي لا بدّ أن يعود مع عودة جبران.
السبت المقبل، حفل الفنان وائل كفوري في مهرجانات الأرز الدولية. ماذا يمكن أن نتوقع بعد؟ لا شكّ أنه سيكون روعة الروعات… والله أعلم!
