
إذا كان الوصول المبكر للموفد الأميركي توم براك إلى بيروت ظهر الأحد قد أوحى لكثيرين بأن تمضيته لجزء من يوم عطلة نهاية الأسبوع في أرض جذوره قد يسهم في تليين الأجواء وتسهيل مهمته، وبالتالي مساعدة لبنان على تجاوز مطبات دقيقة وخطيرة في مسار التفاوض، فإن ذلك لم يلغِ الطابع الحساس والدقيق للزيارة الثالثة التي يقوم بها براك للبنان، ضمن مهمته المكوكية التي تهدف بشكل أساسي إلى وضع جدول زمني واضح لنزع سلاح “الحزب”. حطّ براك في مطار رفيق الحريري الدولي من دون أن تتضمن أجندته يوم الأحد أي لقاءات رسمية، على أن يبدأ لقاءاته اليوم مع الرؤساء الثلاثة، مستهلاً برئيس الجمهورية العماد جوزف عون، الذي من المقرر أن يغادر غداً إلى البحرين ضمن جولته على الدول العربية والخليجية، ثم يلتقي رئيس مجلس النواب نبيه بري، فرئيس الحكومة نواف سلام.
بحسب المعلومات المتوافرة لـ”النهار” فإن فريق المستشارين للرؤساء الثلاثة أعدّ الصيغة النهائية للردّ الرئاسي الثلاثي الموحد على الردّ الذي كان أرسله براك إلى الرؤساء عبر السفارة الأميركية الأسبوع الماضي، وذلك بعد سلسلة من الاجتماعات التي عقدتها لجنة المستشارين، كما الاجتماعات الثنائية التي جمعت الرؤساء، وسيتسلم براك اليوم الردّ اللبناني على الردّ الأميركي من الرئيس جوزف عون، مع ترجيح أن يكون تلقى نواة حصيلتها قبل وصوله إلى بيروت على غرار الزيارة السابقة. وتؤكد معطيات لجنة الصياغة أنه تم التوصل إلى أجوبة على كل ما أوردته ورقة براك وهي لا شك تحمل اسئلة صعبة، لا سيما بعد كلام الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الذي اختصر موقف الحزب بعدم استعداده لتسليم السلاح مع تكراره ثوابت الانسحاب من الجنوب ومنع الخروقات الإسرائيلية ووقف الاغتيالات. وقد اعتبر كلام قاسم الأخير بمثابة استباق خطير للردّ اللبناني بل تفخيخ لهذا الرد بما يوفر لإسرائيل والإدارة الأميركية ذرائع إضافية كبيرة للضغط ومحاصرة لبنان عشية وصول براك، وبما زاد التعقيدات التي تشوب المفاوضات التي سيجريها الرؤساء الثلاثة اليوم مع الموفد الأميركي.
إذ لم يعرف بعد ما إذا كان الرؤساء الثلاثة قرروا إظهار التمايز والتباين النافر بين موقف لبنان الرسمي وموقف “حزب الله” من برمجة نزع السلاح، قالت المصادر القريبة من الجانب الرسمي أن الردّ اللبناني جاء بموافقة الرؤساء الثلاثة وأن لا تباينات في ما بينهم مع التشديد على انسحاب إسرائيل من كل النقاط والمساحات المحتلة، والتأكيد أيضاً على جملة من الضمانات تركز على إعمار الجنوب مع الاستعداد لترسيم الحدود مع سوريا من دون حسم ملكية مزارع شبعا المحتلة. ولن يغيب الردّ اللبناني في معرض ترتيب العلاقة مع سوريا بالعمل على وضع برنامج لعودة نازحيها إلى ديارهم. وفي موازاة الجواب الرسمي على براك، بدا لافتاً أن الرئيس بري كشف أنه سيكون له ردّ خاص على الموفد الأميركي من دون أن يكشف عما سيبلغه إياه. ولا تهدف هذه الخطوة إلى القفز فوق ما سيسمعه من الرئيسين عون ونواف سلام. ويتضمن الرد أيضاً استعداد الحكومة لتطبيق سلسلة من الإصلاحات المالية والاقتصادية.
ثمة مخاوف من رفع السقف الأميركي تجاه لبنان، إذ أن من المحتمل أن يعلن براك مواقف تحرج لبنان أمام التحديات التي يواجهها، إذ تتوقع مصادر ديبلوماسية أن تحمل مواقف براك هذه المرة، اشتراطات أميركية جديدة، قد تضع لبنان على مفترق طرق أمام ما تخطط له إسرائيل المدعومة أميركياً، وأيضاً أمام ما تطمح له السلطات السورية حول مسألة الحدود، وما يتعلق أيضاً بسلاح “الحزب”. وتشير المعطيات إلى أن عقدة ضمانات متبادلة ستبرز أكثر فأكثر وتتمثل في أن لبنان يطلب ضمانات أميركية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس ووقف الانتهاكات الإسرائيلية لوقف النار، فيما تشكّل الشروط الأميركية مطلباً حاسماً بضمانات من الدولة اللبنانية لنزع سلاح “حزب الله” ضمن مهلة محددة لا تراجع عنها هي نهاية السنة ولو على مراحل.