.jpg)
في جلسة مساءلة مجلس النواب اللبناني لحكومة نواف سلام الأسبوع الماضي برز ربط نواب “الحزب”، في مداخلاتهم بين موضوع السلاح والضمانات المطلوبة قبل البحث بهذا الملف، والتي تتضمن إلزام إسرائيل الانسحاب من النقاط التي احتلتها ووقف الاعتداءات والاغتيالات وإعادة الأسرى. وأكد النائب علي فياض (نائب عن “الحزب”) أن السلاح في منطقة جنوب نهر الليطاني خاضع للقرار 1701 والتزام إسرائيل إياه، “أما السلاح الموجود في شمال الليطاني فشأن داخلي ويحتاج إلى حوار”. ولكن وفي موازاة الحديث عن الضمانات المرتبطة بالصراع مع إسرائيل تجدد الحديث عن الضمانات السياسية التي يريدها الحزب مقابل التخلي عن السلاح، والتي قد تصل إلى البحث في تغيير النظام أو تعديله، ومنح صلاحيات وضمانات واسعة للطائفة الشيعية في بنية التركيبة اللبنانية.
وفي حين يعد البعض أن تغيير النظام لمجرد إرضاء الحزب ليس بهذه البساطة، يرى آخرون أن المكاسب في الداخل، والمحدودة، لا يمكن أن تكون بالنسبة إلى “الحزب” بديلاً عن سلاحه. ويتحدث كثر عن أن هناك قناعة لدى الحزب يعبر عنها بعض المحازبين بأن تخليه عن السلاح سيعني انتفاء مبرر وجوده وينتهي.
تغيير النظام أو استحداث مراكز جديدة كثيراً ما طرحت فكرة تعديل الدستور أو تغيير النظام وكان الحزب ينفيها. فطرح المثالثة (بين السنة والشيعة والموارنة) تحدث عنه للمرة الأولى الحزب عام 2007 في مؤتمر “سان كلو” في فرنسا، ليعود الأمين العام الراحل للحزب حسن نصرالله يأتي على ذكره مجدداً، في إشارة إلى الاتجاه لصيغة المثالثة في الحكم بدلاً من المناصفة، وأصدر بعدها توضيحاً لذلك. وإلى مطلب المثالثة برز أخيراً، عبر تسريبات إعلامية، الكلام عن مقايضة الحزب السلاح لقاء ضمانات سياسية متمثلة بمكتسبات في الدولة مثل استحداث مركز نائب رئيس الجمهورية أو نائب قائد الجيش، ومطلب قديم – جديد هو تثبيت وزارة المال للطائفة الشيعية في الدستور، علماً أن اقتراح استحداث موقع نائب رئيس الجمهورية سبق وطرح في مفاوضات الحوار الوطني في عهد الرئيس السابق أمين الجميل، إلا أن الطائفة الشيعية حينها لم تتمسك به.
ونفى رئيس لجنة شؤون الخارجية النائب فادي علامة (عن حركة “أمل”) علمه باشتراط “الحزب” الحصول على ضمانات سياسية للطائفة الشيعية لقاء تسليم سلاحه، وشكك بجدية هذا الكلام الذي سمعه فقط في الإعلام، وأوضح أن الضمانات الوحيدة المطلوبة هي تلك التي تحدث عنها رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة والمتعلقة بانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا وإيجاد حل للنقاط الـ13 الحدودية المختلف عليها، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. وأضاف “ما يهمنا أن يستعيد لبنان سيادته وإجراء حوار مع رئيس الجمهورية للاتفاق على آلية لحصرية السلاح”.
لا ضمانات خارج الدستور
في مقلب المعارضين للحزب وسلاحه يتقدم حزب “القوات اللبنانية” (برئاسة سمير جعجع)، وأكد عضو كتلة الحزب النائب جورج عقيص أن “القوات اللبنانية كانت من أشد الرافضين للمقايضات وكل الطروحات الخارجة عن الدستور، عندما كان “الحزب” بكامل قوته، وكان يستخدمها في الشارع وفي المؤسسات، وعندما كان يطبق على قرار الدولة، فكم بالحري اليوم وقد وصل الحزب إلى وضع مُتردٍّ ويعيش حالاً من التقهقر”. وجزم عقيص بأن “القوات اللبنانية” لن تقبل بمقايضة تسليم السلاح مع أي مكسب داخلي، ليس للاستفادة من ضعف “الحزب”، إنما “المسألة مسألة مبدأ وتوافق لبناني عريض حول تطبيق الدستور بكامل مندرجاته بما لنا منه وما علينا فيه”، وأكد أن هذه الدعوة موجهة إلى كل الأحزاب والقوى اللبنانية، بما فيها “الحزب”، وشرح القاضي السابق أن الدستور اللبناني لا يحتمل وجود سلاح غير شرعي ولا يمكن أن يقبل بتوازي حمل السلاح بين مؤسسة عسكرية شرعية تمثل جميع اللبنانيين وبين فئة تضع كل الحجج والمبررات لإبقاء سلاحها، “لن نقبل بالمثالثة كما لن نقبل بأي مكاسب من خارج ما ينص عليه الدستور، وقد قبلنا على مضض وإكراماً لتأمين انطلاقة العهد بأن تكون وزارة المالية بيد الطائفة الشيعية، لكننا لن نقبل في أي حكومة لاحقة إلا بالمداورة الكاملة”. وشدد على أن الطائفة الشيعية كما كل الطوائف اللبنانية شركاء في هذا الوطن وفي كل المؤسسات، “وأنه آن الأوان لتطبيق العقد السياسي بموجب اتفاق الطائف بعد 15 عاماً من الاقتتال الداخلي، والذهاب إلى اللامركزية وإنشاء مجلس الشيوخ، والبحث بإلغاء الطائفية، لكن يجب أن يسبق كل ذلك تسليم السلاح. وختم “لا حقوق تفرض بالقوة وكل فريق يحصل على حقوقه من الدستور ولا حقوق تكتسب أو تفرض من خارج نص الدستور”.
الحزب غير مستعد لتسليم السلاح
من جهته لم يَرَ الكاتب السياسي علي الأمين أي استعداد جدي من قبل “الحزب” للتخلي عن سلاحه، لكنه كشف، في المقابل، استناداً إلى معلومات من مصادر مقربة من الحزب ومصادر رسمية، عن أن الجماعة تبدي ليونة تجاه التخلي عن السلاح الثقيل وما يتصل بسلاح تعده إسرائيل مصدر خطر عليها، “لكنها ليونة مشروطة بالتطورات المتصلة بحجم الضغوط الأميركية والإسرائيلية وحسابات تتصل بقرار طهران على هذا الصعيد”. وتابع الأمين “يعتقد بعض القريبين من “الحزب” أن الأخير يحرص على المحافظة على السلاح ولو رمزياً، انطلاقاً من كونه حزب مقاومة والسلاح عنصر وجودي في أيديولوجية الحزب وعقيدته”، لكن الجانب الأهم هو أن لدى النخبة الأمنية والعسكرية في “الحزب” اقتناعاً بأن عمليات الاغتيال لن توقفها إسرائيل وأن تصفية المنظومة الأمنية والعسكرية للحزب أمر متخذ من قبل إسرائيل وواشنطن، سواء وافق الحزب على تسليم السلاح أو لم يوافق، وأنه لا ضمانات قدمت للحزب في شأن وقف الاغتيالات بعد أي اتفاق.
ولا يستبعد الأمين أن يكون “الحزب” يفكر في ما لو حسم موضوع سلاحه لمصلحة احتكار الدولة للسلاح، أن تقابل ذلك جملة إجراءات لتحسين شروط التمثيل الشيعي في الدولة، وهذه، بحسب رأيه، ورقة يتفق عليها ثنائي “أمل” و”الحزب”، كأن يستحدث منصب نائب رئيس الجمهورية لشيعي مع صلاحيات وازنة، أو أن يتولى شيعي قيادة الجيش، أو أن يتم حسم منصب وزير المالية لشيعي في كل الحكومات، لكن الأمين رأى أن “أحداث السويداء أعطت الحزب مبررات ليتمسك بسلاحه، وقد يتماشى مع مسار يمهد لمواجهة ما مع ميليشيات سورية، في سبيل إطالة عمر السلاح”، متوقعاً أن يذهب أكثر إلى الرهان على حسابات إسرائيلية تجد في تسعير التوتر السوري السني مع “الحزب” وشيعته، فرصة لجذب الشيعة أو جزء منهم إليها كمصدر للحماية أسوة بدروز السويداء أو بعضهم، بما يعني تغيير وظيفة سلاح الحزب من مواجهة إسرائيل إلى حماية الشيعة من الإرهاب السني.
