#dfp #adsense

خاص ـ سلاح “الحزب” محرقة العهود الرئاسية! (جورج حايك)

حجم الخط

الحزب

 

أخطر ما يهدّد التركيبة اللبنانية منذ الاستقلال العام 1943 حتى اليوم، هو سلاح “الحزب” الذي يطرح نفسه بديلاً عن الدولة اللبنانية، مستقويًا على مكوّنات المجتمع التعددي، ومعرقلًا مسيرة النمو والتطور والعلاقات المتينة مع المجتمع الدولي، ولا سيما الدول العربية والخليجية الصديقة للبنان. هذا “الحزب” ورث النظام الأسدي الذي احتلّ لبنان من العام 1978 حتى الـ2005، ونقل مركز القرار من دمشق إلى طهران، فبات قرار الدولة اللبنانية مُصادَرًا من النظام الإيراني الذي يستخدمه كورقة في مفاوضاته مع الغرب، متاجرًا ومستثمرًا بحقوق لبنان وأمنه واستقراره، من دون أن يأخذ مصالح الشعب اللبناني في الحسبان.

في 9 كانون الثاني 2025، تمّ انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، بعد حرب إسرائيلية على “الحزب” ألحقت به هزيمة تاريخية، وأدّت إلى مقتل أمينه العام “الرمز” حسن نصرالله. وقد انتهت الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار تضمّن بنودًا عدّة، أبرزها تسليم سلاح “الحزب” إلى الدولة اللبنانية في كل المناطق.

كان واضحًا أن انتخاب عون، الذي جاء بزخم دولي لافت، لا سيّما من الولايات المتحدة الأميركية والسعودية، هدفه الأساس نزع سلاح “الحزب”، سواء عبر الحوار أو تطبيق القوانين التي تسمح للدولة باستخدام القوة. لكن عون ورئيس الحكومة نواف سلام يبدوان متردّدين في هذا الأمر، معتبرَين أن تنفيذه بالقوة قد يؤدي إلى حرب أهلية. لذا، يراهن عون وسلام على الحوار والوقت، غير أن الوقت بات ثقيلاً ومرهقًا على اللبنانيين الذين يرون الدولة تتآكل بسبب هذا السلاح الذي يَحول دون نهوضها وازدهارها، خصوصًا أن الدول المانحة تربط استمرار مساعداتها للبنان بإزالة السلاح غير الشرعي.

يتوالى وصول المبعوثين الأميركيين، من مورغان أورتاغوس إلى توم برّاك، ليؤكّدوا للمسؤولين اللبنانيين أن نزع سلاح “الحزب” أمر ملحّ وضروري لاستعادة هيبة الدولة، لكنهم جميعًا يصطدمون بجدار مسدود، إذ إن الدولة اللبنانية تتبنى موقف “الحزب” بلغة دبلوماسية، فترمي المسؤولية على إسرائيل بذريعة أنها تحتل خمس نقاط استراتيجية في الجنوب، علمًا أن “الحزب” نفسه تسبّب بهذا الاحتلال بعدما شنّ عليها “حرب إسناد”. ولا يرى الأميركيون في هذا الخطاب إلا مماطلة هدفها كسب الوقت والتملص من تنفيذ الالتزامات.

من المؤكد أن العهد برئاسة جوزيف عون يدفع الثمن، بل يخسر من رصيده، فيما الفرصة الدولية الممنوحة للبنان أوشكت على الانتهاء. وها هو لبنان يُترك لمصيره المشؤوم بين فكيّ إسرائيل وإيران، بينما تتّجه المنطقة نحو شرق أوسط جديد قائم على التطور والعصرنة والازدهار الاقتصادي.

والمؤسف أن جولات الرئيس عون الخارجية لم تعد تجدي نفعًا لإقناع الدول العربية الصديقة بمساعدة لبنان أو تشجيع الخليجيين على زيارته، إذ إنهم يمتنعون عن ذلك بسبب السلاح غير الشرعي. وهكذا، يدور العهد في حلقة مفرغة، بعدما وجّه إليه “الحزب” ضربات متتالية، إما عبر التهديد، أو عبر رسائل مبطّنة للجيش اللبناني، الجهة الشرعية الوحيدة التي قد تُكلّف بنزع سلاحه.

يوماً بعد يوم، يتساءل اللبنانيون: أين أصبح خطاب القسم؟، أين حوار الرئيس مع “الحزب”؟، وماذا عن مصير لبنان إذا بقي السلاح بيد غير الدولة؟.

لا يريد اللبنانيون التصديق أن أقوال الرئيس عون تعبّر عن وجدانهم، فيما أفعاله عقيمة وغير نافذة. لكن الواقع يخيّب آمالهم، خصوصًا بعد كلام برّاك عن فشل اتفاق وقف إطلاق النار، وعدم قدرة واشنطن على التأثير في إسرائيل، ما يعني أن لا شيء يمنع الأخيرة من شنّ حرب جديدة على “الحزب”، بما سيستتبع ذلك من كوارث إضافية على لبنان.

وكلمة حق تقال: إن عهد الرئيس جوزيف عون يسير على الطريق ذاته الذي سلكه عهدا الرئيسين ميشال سليمان وميشال عون، رغم اختلافهما في مقاربة ملف السلاح، إلا أن النتيجة كانت واحدة: فشل العهدين في ظلّ هيمنة الدويلة على الدولة، وتهميش الرئاسة وتفريغها من مضمونها الوطني.

الرئيس سليمان، الذي تميّز بإرادة صادقة لإنقاذ لبنان من معضلة السلاح، أطلق “إعلان بعبدا” الذي دعا إلى حياد لبنان عن صراعات المنطقة، وقد وافق عليه “الحزب” ثم انقلب عليه لاحقًا، كما يفعل دائمًا. غير أن سليمان افتقر إلى القدرة التنفيذية، فانتهى عهده بلا حلّ فعلي، ودفع لبنان ثمن ذلك من خلال أزمات سياسية عطّلت كل مسار إصلاحي.

أما الرئيس ميشال عون، وعلى النقيض من سليمان، فقد تناغم بقوة مع “الحزب”، ودافع عنه بوضوح، معتبرًا أنه لا يستخدم سلاحه في الداخل، ما دفع “الحزب” إلى وصفه بـ”ربّان سفينة لبنان المقاوم”. لكنه، في الواقع، سلّم قرار الدولة بالكامل إلى “الحزب”، على حساب استقرار اللبنانيين وعلاقات لبنان مع الدول العربية، ما أدّى إلى عزلته. فكان العهد الرئاسي الأفشل في تاريخ لبنان الحديث.

نعود إلى الرئيس جوزيف عون، الذي تتوفر له اليوم كل الظروف والمعطيات لإنهاء مسألة سلاح “الحزب”، بدءًا بنتائج الحرب التي أضعفته، مرورًا بقطع طرق الإمداد، والضغط الأميركي الشديد، وحاجة بيئة “الحزب” إلى إعادة الإعمار، واستعداد الجيش لتسلّم مهامه، ولا انتهاء برغبة شعبية عارمة بحصر السلاح بيد الشرعية.

أما إذا استمر عون والرئيسان سلام وبري في المماطلة، فإن العهد الجديد سيتقوّض في سنته الأولى، وسيخسر كل شيء، وينتهي كما انتهت العهود السابقة: بتكريس لبنان دولة فاشلة، وربما بانهيار تركيبته الحالية وتفكّك دولته. وهذه مسؤولية تتحمّلها أولاً السلطة اللبنانية، وثانيًا “الحزب”.

خبر عاجل