أنهى الموفد الأميركي توماس براك زيارته الثالثة إلى لبنان بلقاءٍ جمعه مع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. لكن هذه الجولة لم تكن موفقة، بحسب أوساط سياسية مطلعة، بل حملت في طياتها جملة من التصريحات المتناقضة التي أثارت الكثير من علامات الاستفهام. فبعدما أكد باراك في إحدى تصريحاته أن “لا ضمانات للبنان من ناحية إسرائيل”، عاد في اليوم التالي ليُصرح بأن “لا حرب جديدة على لبنان”. هذا التناقض الظاهري لم يكن مجرد زلة لسان، بل يشي باستراتيجية دبلوماسية معقدة.
وفقًا للأوساط السياسية ذاتها، يُمثل براك جزءًا لا يتجزأ من المدرسة الترامبية في الدبلوماسية، وهي تلك المدرسة التي تتقن فن المراوغة وإبرام الصفقات والاتفاقات المعقدة. هذه المقاربة تختلف جوهريًا عن الأساليب الدبلوماسية التقليدية. فبعدما كانت الموفدة السابقة مورغان أورتاغوس تأتي إلى لبنان وتنقل الصورة مباشرةً إلى الرئيس دونالد ترامب، تشكّل المشهد كاملاً لدى الرئيس الأميركي. وعلى إثر شعوره بأن المسؤولين اللبنانيين “يراوغون”، وأن “الحزب” يحاول اللعب على وتر عامل الوقت لكسب المزيد منه، أرسل ترامب براك خلفًا لأورتاغوس لتطبيق استراتيجية أكثر حزمًا ومباشرة.
تلفت الأوساط، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن براك قام بـ”تحضير ملفّه جيدًا”، وأن تلك التصريحات المتناقضة التي أدلى بها كانت مقصودة تمامًا. هو أراد من خلالها أن يوجه رسالة واضحة وصريحة إلى المسؤولين اللبنانيين وإلى “الحزب”: “تريدون المراوغة؟ فنراوغ جميعًا ونلعب معًا”. هذه الرسالة تُشير إلى أن واشنطن لن تسمح بعد الآن باستغلال الوقت أو محاولات الالتفاف على المطالب الأميركية.
تقول الأوساط، إن المفارقة هنا هي في الجزء الأخير من الرسالة، “لكن في النهاية، لبنان هو الخاسر”، هذا التهديد المبطن يُظهر أن الإدارة الأميركية، في إطار سعيها لحسم الملفات، مستعدة لاستخدام أساليب قد تبدو متناقضة ظاهريًا، لكن هدفها الأساسي هو دفع الأطراف اللبنانيين نحو اتخاذ قرارات حاسمة. فالمماطلة واستنزاف الوقت، وهي استراتيجية لطالما اتّبعها بعض الأطراف في لبنان، ستؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج سلبية على البلاد ككل، وليس فقط على الأطراف المعنية مباشرة بالملف. إن زيارة براك لم تكن مجرد جولة دبلوماسية روتينية، بل كانت جرس إنذار أخير للبنان لاتخاذ خياراته المصيرية.

