.jpg)
في اكتشاف بيئي مثير حبس أنفاس العلماء ومحبي الطبيعة على حد سواء، تمكّن فريق من الباحثين في إندونيسيا من رصد نوع نادر من الأشجار يبدو وكأنه يتوهّج في الظلام، في ظاهرة طبيعية غريبة هي الأولى من نوعها في البلاد. الشجرة التي تنمو في أعماق إحدى الغابات الكثيفة بجزيرة سولاويزي، أذهلت الفريق البحثي عندما لاحظوا توهجًا خافتًا ينبعث منها خلال ساعات الليل، ليبدو المشهد وكأنه من فيلم خيال علمي.
وقد بدأت القصة عندما كان فريق علمي تابع لجامعة “باندونغ للتكنولوجيا” يجري مسحًا ميدانيًا بيئيًا ضمن مشروع بحثي حول التنوع الحيوي في الغابات الإندونيسية. وخلال إحدى الليالي التي قضاها الفريق في الغابة، لاحظ أحد الباحثين وهجًا أخضر خفيفًا ينبعث من بين الأشجار. في البداية، اعتقد الفريق أن مصدر الضوء ربما يكون ناتجًا عن الحشرات المضيئة أو بعض أنواع الفطر المعروفة بقدرتها على التوهّج، إلا أن الفحص الدقيق كشف أن مصدر الإضاءة كان لحاء شجرة بحد ذاتها.
وبعد تحليل العينة والتدقيق باستخدام معدات علمية متطورة، تبيّن أن الشجرة ليست مضيئة بحد ذاتها، بل تستضيف على لحائها نوعًا من الفطريات الحيوية النادرة القادرة على إصدار ضوء بيولوجي في الظلام، وهي ظاهرة تُعرف علميًا باسم “الضيائية الحيوية” (Bioluminescence). وتُعد هذه الظاهرة شائعة نسبيًا في أعماق البحار وبين بعض أنواع الكائنات الدقيقة، لكنها نادرة جدًا في البيئات البرية، لا سيما في الغابات الاستوائية.
أكد الفريق أن الفطر المكتشف لم يكن معروفًا في السابق، ويُعتقد أنه نوع جديد لم يُسجل من قبل في السجلات البيولوجية. ويعمل الباحثون حاليًا على دراسته بشكل معمّق لفهم تركيبته الجينية والكيميائية، وما إذا كانت له فوائد بيئية أو طبية محتملة. ويشير بعض العلماء إلى أن هذا النوع من الفطريات قد يلعب دورًا في التحلل البيولوجي الطبيعي أو في التفاعل مع الكائنات الحية الأخرى في النظام البيئي.
الظاهرة أثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط العلمية ووسائل الإعلام الإندونيسية والعالمية، إذ اعتُبر الاكتشاف بمثابة تذكير بجمال الطبيعة وغموضها، وبأن الأرض ما زالت تخفي في طيّاتها أسرارًا لا تُحصى. كما أبدت منظمات بيئية دولية اهتمامًا خاصًا بالموضوع، داعيةً إلى حماية المنطقة التي عُثر فيها على هذه الشجرة من أي تدخل بشري قد يهدّد التنوع البيولوجي الفريد فيها.
من جهتهم، عبّر أهالي المنطقة عن فخرهم بأن قريتهم التي كانت مهملة إلى حد كبير أصبحت محط أنظار العالم، وأملوا أن يسهم الاكتشاف في جذب الباحثين والسياح المهتمين بالطبيعة، ولكن ضمن شروط تحافظ على توازن البيئة الهشة في الغابة.
اكتشاف شجرة “تتوهّج” ليلاً ليس مجرد حدث غريب، بل هو تذكير بمدى تعقيد وغنى الطبيعة، وبالكنوز البيولوجية التي ما زالت تنتظر من يكتشفها في قلب الغابات المظلمة.