في صباح يوم السبت، غيّب الموت الموسيقار اللبناني الكبير زياد الرحباني عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا خالدًا، وذكريات لا تُمحى من وجدان الجمهور اللبناني والعربي. وقد عمّ الحزن الأوساط الفنية والثقافية فور انتشار خبر رحيله، إذ يُعدّ زياد من أكثر الشخصيات تأثيرًا وجدلًا في المشهد الفني العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.
البداية مع فيروز… “سألوني الناس” تولد من مأساة
كان زياد الرحباني ابن السيدة فيروز والراحل الكبير عاصي الرحباني، وقد بدأ مسيرته الفنية مبكرًا، إذ لحّن لوالدته وهو في الرابعة عشرة من عمره. ويروي زياد في لقاءات سابقة أن أول ألحانه كان معدًّا للفنان مروان محفوظ، لكن عمّه منصور الرحباني استمع إلى اللحن وقرّر أن تكون فيروز هي من تؤديه، لتولد واحدة من أشهر أغانيها: “سألوني الناس”.
قد جاءت الأغنية في ظروف استثنائية، حيث كانت تعبر عن غياب عاصي الرحباني نتيجة مرضه، وتغني فيها فيروز: “لأول مرة ما بنكون سوا”، في لحظة عاطفية بالغة التأثير، كتب كلماتها منصور، ولحنها زياد، ووزعها إلياس الرحباني.
علاقة معقّدة مع فيروز… وقطيعة دامت عامين
على الرغم من العلاقة الفريدة التي ربطته بوالدته، مرّت تلك العلاقة بمنعطف صعب، تمثّل في قطيعة دامت نحو عامين، على خلفية تباينات سياسية بين الطرفين. زياد الذي عُرف بميوله السياسية الواضحة، وجد نفسه في خلاف غير مباشر مع المواقف التي تبنّاها فريق عمل والدته في تلك المرحلة.
في مقابلة تلفزيونية تعود إلى نحو سبع سنوات، كشف زياد أن الخصومة لم تكن مع فيروز مباشرة، بل مع المحيطين بها، مؤكدًا أنها لم تكن السبب في القطيعة. وروى كيف بادر إلى التصالح مستخدمًا أسلوبًا كانت والدته تلجأ إليه، وهو الاتصال دون كلام. حين أجابها أخيرًا بكلمة “وأخيرًا”، عادت العلاقة بينهما إلى سابق عهدها، وعاتبته لاحقًا على غيابه عنها.
صراعات داخلية… واكتئاب فني
لم تكن حياة زياد المهنية سهلة، فقد عاش فترات من الإحباط والعزلة. وخلال إحدى المراحل، قرّر أن يعتزل العمل الفني، ودخل في عزلة امتدت لعامين، لم ينتج خلالها أي عمل موسيقي. وقد برر ذلك لاحقًا بصعوبة البيئة المهنية المحيطة، والضغط النفسي الناتج عن صراعات شخصية وفنية.
كانت عودته التدريجية إلى الساحة من خلال توقيعه عقدًا مع مهرجانات بيت الدين، ما أتاح له كسر العزلة، والعودة إلى الجمهور من بوابة العروض الحيّة.
انضباط نادر… وهاجس الوقت
بعيدًا عن صورته المتمردة، تحدّث زياد في مقابلات عديدة عن التزامه الصارم بالوقت، مشيرًا إلى أنه يحتفظ بساعات في كل غرفة من منزله، ليتأكد من انضباطه الدائم. واعتبر أن الحرب الأهلية اللبنانية كانت من أكثر اللحظات التي أهدرت وقت اللبنانيين، ما جعله يقدّس كل لحظة من عمره، ويوظفها في الإبداع والعمل.
إرث لا يُنسى
رحيل زياد الرحباني يُشكّل خسارة كبيرة للبنان، ليس فقط بوصفه موسيقيًا ومسرحيًا فذًّا، بل أيضًا لكونه مثقفًا وصوتًا ناقدًا لم ينفصل عن هموم الناس والواقع السياسي. أعماله، سواء المسرحية أو الموسيقية، كانت تعبيرًا صادقًا عن أوجاع اللبنانيين، ومرآة لعقود من التحوّلات في بلد لا يعرف السكون.
برحيله، تُطوى صفحة من صفحات الإبداع العربي الحديث، وتبقى أعماله شاهدة على عبقريته، وتمرده، وجرأته الفنية التي لم تعرف المهادنة.
