
في ظلّ تزايد معدلات الإصابة بالاكتئاب حول العالم، يبحث الباحثون باستمرار عن حلول وقائية وطبيعية يمكن أن تُخفّف من هذا العبء النفسي المتزايد. وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية حديثة عن دور غير متوقع لنوع من الأطعمة المتوفّرة في معظم المطابخ حول العالم: الفطر.
فقد توصلت الدراسة، التي أُجريت في جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، إلى أن تناول الفطر بانتظام يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، بفضل احتوائه على مجموعة من المركبات الحيوية التي تلعب دورًا إيجابيًا في كيمياء الدماغ.
واستند الباحثون في دراستهم إلى تحليل بيانات غذائية ونفسية لأكثر من 24 ألف مشارك على مدى عدة سنوات. وقد أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين أدرجوا الفطر في نظامهم الغذائي بشكل منتظم، كانوا أقل عرضة للإصابة بأعراض الاكتئاب مقارنةً بأولئك الذين لم يتناولوه إطلاقًا أو نادرًا ما فعلوا.
ويعود الفضل في ذلك إلى مادة موجودة في الفطر تُعرف باسم “الإرجوثيونئين” (Ergothioneine)، وهي مضاد قوي للأكسدة والالتهاب لا يستطيع الجسم إنتاجه ذاتيًا، بل يحصل عليه فقط من مصادر غذائية – وأهمها الفطر. وتُشير الأدلة إلى أن هذه المادة تساعد في حماية خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي، وتقلّل من مستويات الالتهاب العصبي المرتبط بالاكتئاب واضطرابات المزاج.
إلى جانب ذلك، يحتوي الفطر أيضًا على فيتامينات B، وخصوصًا B12 وB6، التي تُعتبر ضرورية لإنتاج “السيروتونين” – أحد أبرز الناقلات العصبية المرتبطة بتحسين المزاج والشعور بالسعادة. كما أنه منخفض السعرات الحرارية وخالٍ من الدهون، ما يجعله خيارًا صحيًا وسهل الدمج في الأنظمة الغذائية المختلفة.
وفي تعليق على نتائج الدراسة، أشار الباحثون إلى أن دور الفطر في تحسين الصحة النفسية قد يكون مرتبطًا أيضًا بنمط حياة أكثر توازنًا، إذ غالبًا ما يكون من يتناولون هذا النوع من الغذاء أكثر وعيًا بنظامهم الغذائي وصحتهم العامة، ما ينعكس بدوره على الصحة النفسية.
لكن الدراسة رغم نتائجها المشجعة، أكدت أن العلاقة بين الفطر والاكتئاب هي علاقة ارتباط لا سبب مباشر، أي أن تناول الفطر لا يُعد علاجًا للاكتئاب، بل قد يُساهم في التخفيف من مخاطره، وخصوصًا إذا كان جزءًا من نظام غذائي صحي ومتوازن.
ويُحذر الأطباء من تناول الفطر البري غير المعروف أو الذي يُقطف عشوائيًا من الطبيعة، إذ إن بعض أنواعه سامة وخطيرة للغاية، وقد تُسبب تسممًا أو مشاكل صحية خطيرة. لذلك يُفضل دائمًا اختيار الأنواع المعروفة والصالحة للأكل مثل فطر الشيتاكي، البورتوبيلو، أو المشروم الأبيض المتوفّر في المتاجر.
في النهاية، يفتح هذا الاكتشاف المجال أمام اعتماد تغذية أكثر وعيًا للصحة النفسية، حيث لا تقتصر أهمية الطعام على الجسم فقط، بل تمتد لتشمل العقل والمزاج أيضًا. وبينما تستمر الأبحاث في استكشاف العلاقة بين الغذاء والصحة العقلية، يبدو أن للفطر – هذه الثمرة الصغيرة – دورًا أكبر مما كان يُعتقد سابقًا في دعم التوازن النفسي والحد من الاكتئاب.