
من الظلم والاجحاف، حصر الموسيقي والمسرحي المبدع زياد الرحباني في قوقعة سياسية معينة أو تنسيبه الى محور إقليمي محلي بوجه شريحة كبرى من غير المؤيدين لتلك القوقعة ومن المعارضين المواجهين لذاك المحور، حيث لزياد محبين ومعجبين ومقلدين ومتذوقين لفنه ومسرحه وآرائه وتعابيره ومتفهمين لفكره المتنقل بين التبني النظري للدكتاتوريات الظلامية الى اقصى وأسمى ممارسة للانعتاق والتفلت والتحليق عاليًا جدًا باأجنحة اللغة الجامعة للثقافات، نعني بها الفن من موسيقى ومسرح وغناء وحفلات ومهرجانات لم تستسغها القوقعة التي وُضع فيها زياد، ولطالما حرّمها وكيل المحور الذي نَسَب لفيروز سفيرة لبنان للنجوم ونجلها الراحل زياد بنوتهما له ولـ”مقاومته”.
لقد جاهر زياد السياسي باعتقاده واعتناقه للفكر الشيوعي وانتسابه الى الحزب الشيوعي اللبناني، وهنا لا بدّ أن نذكر الفترة التي تذكرها رئيس الحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي في كتاب حوارات مع غسان شربل – الحرب والمقاومة والحزب صفحة 56 ـ 57، إذ يقول، “في هذه الأثناء، بدأت عمليات الاغتيال ضدنا. اغتيل خليل نعوس وهو كادر ثمين جدًا مسؤول عن بيروت في الحزب، وصحافي وأديب مناضل. ثم اغتيل مهدي عامل في وسط بيروت. في هذه الأثناء، توترت علاقتنا مع الحزب، وكان مركزهم في المقر السابق للسفارة الإيرانية. وأثناء هذا التوتر، استهدفت عملية انتقامية المناضل سهيل طويلة. أُخذ بيته غدرًا، وقُتل، وهو لطيبته، لم يكن يتصور أن جيرانًا له في المبنى نفسه يعرفهم ويعرفونه يسقيهم ماء ويشرب من عندهم يمكن أن يدخلوا منزله وهو بالبيجاما ويقتلوه. والأبشع من هذا كله، الدخول الى منزل الشيخ الجليل حسين مروة الذي كان تخطى الثمانين ولم يكن قادرًا على المشي. قتل بنجاسة نادرة، فلا هو مقاتل ولا شاب ولا مسلح. هذا الأمر أدى بنا الى مواجهات سياسية وفكرية، منها أنني ألقيت خطابًا في مأتم سهيل طويلة وقلت في الخطاب، “حاخام هو الذي يفتي بقتل الوطنيين والشيوعيين وليس سيدًا ولا شيخًا، يدعون الخمينية وهم براء منها وفي ظروف لبنان نحن الخمينيون وهم السافاك”.
عن هذه الفترة وتحديدًا بعد استهداف حسن حمدان “مهدي عامل”، قال زياد الرحباني في “العقل زينة” من صوت الشعب: “… بعدان يعني هالقوى الظلامية شو هي لمش مبينة؟ وين هي؟ ومن هي عالمظبوط، ما بعرف. بسبب يمكن إنها ظلامية، فطبيعي الجو المسيطر ظلامي، فما عم نقدر نعرف بالعتم ولا عم نقدر نتعرف ع واحد منهم… بعرف إنه إذا لقطوا كتاب، لقطوا كتاب لحسن حمدان وقوّصوه، ما حيصير شي، بيحترق! لأنه ورق أولًا وبس، بس في منه 100 ألف نسخة، وما رح يقدروا يغتالوه. بس إنه ضروري تنتظر تحتّالي تتثبّت بالفعل. أنه عم تعمل تجربة، إذا مات تشوف إذا فكره رح يموت. عم تثبت لي بالاغتيال وبالمسيرة وبالاحتفال وبالتأبين هالشي هذا. ما بحاجة لإثباتات، وأنا ممنونك… بلا التأبين، وبلاها هالمسيرة، أو خلّي المسيرة، بس بدل ما تكون من بيت الحزب للقبر! خلّيها تكون من بيت الحزب لبيت اللي قاتله. شو هيدا كثير بلبنان؟ هيدا كثير على حسن حمدان، طيب شو مفكّرين تعملوا؟… ليك وله، ممنوعة الشمس والحرية سوى، ممنوعة ريحة الهوا الشفاف، ممنوعة المجتمعات الأفضل…”
وقد عاد وذكّرنا بها الفنان المبدع الراحل زياد ـ السياسيظن كذلك عندما قام “الحزب” في 23 آب و7 تشرين الأول من العام 2014 بالتشويش على حفلتين موسيقيتين للفنان الشيوعي زياد الرحباني في الناقورة وصور بهدف تعطيلهما، ليكشف الرحباني لاحقًا مع تلفزيون الجديد ما مفاده: “هوي تراكم ما فينا نخسر كل البلد كشيوعيين كرمال تحالف مع الحزب، مش عم برد علي بالمثل، عم ياخذ منك بس بالمقابل ما عم يعطيك، ما عم يعطيك حتى ذكر اسمك بخطاباته، كيف فينا نصدق إنو نحنا حلفاء للحزب، نحنا هيك عاملين حالنا إنو حلفا للحزب، وهوي ولا مرة عم بقول مظبوط إنتو حلفاء، ما في معاملي بالمثل، في إخفاء، ما بدنا نرجع لورا بس مين قتل الشيوعيين بسنة 1985، وقتها رفضنا نصدق إنو الحزب عمل هيك، شي بيقول السوريين قتلوا الشيوعيين، ما منعرف لهلق، بس الحزب بيعرف مين قتل هالناس”.
…وفي مكان آخر يقول زياد بخيبة، “بتمنى من الحزب إنو يرد عَ الشي اللي حكينا في، لأنو نحنا متهمين بالحزب، والعالم تعيّرني بالحزب. ما عاد فيك تدافع عن الحزب متواصل. شو بتشكي صور كنموذج للجنوب مثلاً؟! كيف بدنا نعمل مع الحلفاء إذا الحزب حليفنا مثلاً؟ الشيعة اللي بالجنوب المعارضين للحزب، بس يعرفوا إني مسيحي ومع الحزب، بصيروا يضحكوا عليّ إنو طلاع شوف شو في بالجنوب”.
قد تكون المحاضرة لأمين عام “الحزب” قبل استلامه “الأمانة” وقبل استرداد الأمانة، خير تعبير عن “شو في” بجنوب “الحزب” وضاحيته وبقاعه وبعلبكه مما لم يسرّ به الفنان الراحل زياد الرحباني ولا محبيّ فنه وموسيقاه والحانه ومسرحه، فبالصوت والصورة يُسأل نصرالله: “يُقال إن الاستماع للأغاني الثورية غير حرام؟”
ليرد: “الاستماع الى الأغاني حرام لأن الأغاني هي جزء من حالة تمييع الأمة، الله مخطّط لمجمتع مش مائع هؤلاء تبع الديسكو وتبع جون ترافولتا وما بعرف شو، بعد شوي بتشوفو مخلوَع، يعني تسريحة شعرو، ومشيتو، لبسو، ومشيتو بالشارع، وقعدتو، وأكلو، وحكيوا بيتأثّر كلّو… هذه الحالة تؤدي الى الميوعة فالله سبحانه وتعالى حرّم الغناء من أجل أن يحفظ شخصية متزّنة للإنسان شخصية معقولة للإنسان. هلق نعم في نوع من الأناشيد الثورية فيها حلال لأنها لا تميّع الانسان، لكن هناك نوعين من الأناشيد الثورية، مرّة بتجيب انت شو أسمو هيدا الشيخ إمام… جابوه بالزمان وقتها جابوه مثلاً وإجا جايب معو عود وقام يدق. لشو للمقاومة الوطنية في الجنوب!
طيّب شو الفرق بين هالغنيّة وأي غنيّة تانية… كل ما هنالك بدل ما يقول مثلاً: يحكي مع الحبيب بيحكي مع الجنوب ما في فرق، بس من حيث الأسلوب والصياغة والروحيّة واحدة! هذا حرام. يعني ما بتصرش الغنيّة ثوريّة انو يصير فيها الله ومحمد واسلام ومقاومة وجنوب واسرائيل، ما بتصرش أغنيّة.
حتى الأشرطة المتداولة يعني بعض الأخوة بتحط الشريط، هيدا شو؟ بقلّك هيدا إيراني حلال مين قلّك حلال؟ ومين قال إن كل شريط إيراني حلال؟ ما أصلًا في بإيران متل ما في بلبنان يعني في أربعة خمسة بجيبوا آلات موسيقية وبيعملوا أناشيد وبيعملوا كاسيت وببيعوا بالسوق بإيران… فليس شرطًا أن يكون كل نشيد إيراني حلال!
طيّب حتى لو كان حلال، إنت بالحقيقة عم تتسمّع عالموسيقى ما عم تتسمّع على الشخص لأنّوا إذا جبت النشيد الإيراني وأنا قلتلّك ترجملي ياه… ولا كلمة بتعرف تترجم… إلا إذا مارقتلها شي كلمة بالأصل هي عربيّة!
على هذا الأساس ما هو متداول من الأناشيد يبقى ينطبق عليها قاعدة واحدة: لو أجتنا نشيدة أو أغنية فيها الله ومحمد وإسلام وجنوب ولكن وجدناها كالمتداول عند أهل الفسق والفجور وتوجب الطرب، فهي حرام فالمقياس هو أي اغنية مع غضّ النظر عن مضمونها الثقافي والفكري والسياسي، الأغنية التي توجب الطرب وتكون روحها متعارفًا عند أهل الفسق فهي حرام”.
حتى بعد استلامه للأمانة العامة لـ”الحزب”، ترجم مؤيدوه ومحازبوه مضمون فتوى نصرالله في محاضرته تلك، إذ نقلت الوسائل الاعلامية في 4 كانون الأول من العام 2016، أن “التعبئة الطالبية” التابعة لـ”الحزب” وبالقوة، قد منعت زملاء وعائلة الطالب محمد حمادة -سنة أخيرة هندسة – من بث أغاني للسيدة فيروز والدة زياد، في مناسبة إحياء ذكرى الأربعين على وفاته بحادث سير، وذلك في حرم وباحة كلية الهندسة في مجمع رفيق الحريري في الحدث التابع للجامعة اللبنانية الوطنية الرسمية… تحت حجة وفتوى أن “الغناء حرام”.
.jpg)