
غابت الموسيقى، وصمت المسرح، مع رحيل زياد الرحباني، ابن فيروز ووريث الإرث الثقافي الرحباني، عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد أزمة قلبية مفاجئة أدخلته مستشفى في الحمرا، حيث وافته المنية صباح السبت في 26 تموز. ومع هذا الغياب، عاد الضوء ليُسلّط مجددًا على وجعٍ أكبر: حياة فيروز، التي لا تشبه شيئًا من أغانيها الحالمة، بل تشبه جراحها التي ظلت مكتومة خلف الصوت.
منذ بداياتها، عاشت نهاد حداد – فيروز – حياة مزدوجة بين المجد الفني والعذاب الشخصي. لم تكن أمومتها نزهة، ولا زواجها من عاصي الرحباني قصة حب أبدية كما تُروى. بعد ولادة أربعة أولاد، انقلبت الحياة عليها بتحديات تفوق الاحتمال. ابنها هالي، أصيب في الطفولة المبكرة بشلل دماغي أبقاه عاجزًا عن الحركة والنطق والسمع. اعتنى به الأطباء في بداياته، ثم تولّت فيروز المهمة بنفسها، ورافقته كأم صامتة، لعقود.
وفي عام 1988، انكسر قلبها مرة ثانية مع وفاة ابنتها ليال عن عمر 28 عامًا، إثر نزيف دماغي مفاجئ. توارت ليال في صمت، تمامًا كما توارت الحقيقة خلف الشائعات التي ربطت وفاتها زورًا بالإدمان، ما فجّر أزمة داخل العائلة، وصلت إلى خلافات علنية بين فيروز وبعض أفراد آل الرحباني.
زياد، الابن البكر، كان الأقرب والأبعد في آنٍ معًا. حمل الموهبة والتمرّد، كتب أجمل أغانيها، لكنه اصطدم بها فنيًا وإنسانيًا في مراحل كثيرة. سنوات طويلة من الجفاء، ثم لقاءات محدودة، ومكالمات متقطعة، وظلت العلاقة معلّقة على حبال الاختلاف والمحبّة المضمَرة. مع ذلك، ظل زياد مركزًا في حياة فيروز، يشبهها في الحزن والانطواء، وفي النزعة إلى الصمت بدل المواجهة.
السبت، رحل زياد، وذُكر اسمها مجددًا وسط الأسى الوطني والعائلي: هل ستحضر الأم جنازة ابنها؟ المقربون منها يقولون إن صحتها لا تسمح حتى بالخروج من البيت، وإنها عاشت أيامها الأخيرة في صمت مطبق، لا تنطق إلا نادرًا. وقد قيل إنها لم تستطع استيعاب الخبر إلا بصعوبة، وإنها جلست لساعات إلى جانب هالي، الذي لا يستطيع الكلام، وكأنها تطلب منه أن يسمع عنها ما لم تعد قادرة على البوح به.
عاشت فيروز أكثر من تسعين عامًا، لكنها خسرت فيهم الكثير. زوج مريض، ثم راحل. ابنة شابة خطفها الموت. ابن مقعد. وآخر، عبقري، رحل قبل أن تودّعه. عاشت مجدًا لم تعشه امرأة عربية مثلها، لكنها دفعت الثمن، أمًّا قبل أن تكون فنانة.
فيروز التي غنّت “أنا لحبيبي” و”بكتب اسمك يا حبيبي”، لم تكتب حكايتها الكاملة. كتبها الزمن، وكتبها الوجع. وزياد، حتى في غيابه، يكمّل تلك الحكاية التي بدأت في بيوت بسيطة في الأشرفية، وانتهت في شقة مظلمة تصلي فيها أمّ لفقدٍ لا يُحتمل.